مازالت العلاقات العربية- البينية تشهد المزيد من التمزق والانشراخ فيما بينها، نتيجة الخلافات والأزمات المصطنعة في كثير من الأحيان، رغم تداخل مقومات الأمن القومي المشترك الذي يتطلب التعاون والتنسيق في مواجهة التحديات والتطورات المتسارعة، فعلى الرغم من العوامل المترابطة من حيث التاريخ والجغرافيا واللغة والتركيبة الاجتماعية المتشابهة إلى حد ما، مازالت هذه العلاقات تشهد مزيداً من التدهور، الأمر الذي يشكل دافعاً لهذه الدول نحو الاعتماد على الدول الإقليمية والدولية في تأمين أمنها القومي ولمواجهة الدول العربية الأخرى.
هذه المقاربة الخطيرة انعكست على ساحة أخرى من ساحات الخلافات العربية وبخاصة في العمق الإفريقي منه(ممر نهر النيل) الذي يعد من أكثر المواقع الجيوسياسية أهمية في العالم، فالعلاقة المصرية- السودانية المتوترة اليوم لم تكن طبيعية منذ مايقارب ثلاثة عقود، ولم تخرج هذه التوترات عن دائرة المحرمات الدبلوماسية وبقيت ضمن إطار العقلانية وإن بلغت في إحدى مراحلها اتهام القاهرة للخرطوم وبشكل علني بمحاولة اغتيال الرئيس السابق المخلوع «حسني مبارك» عام 1995 في أديس أبابا.
اتخاذ الخرطوم لقرار سحب سفيرها من القاهرة للتشاور هو خطوة خطيرة في مسار العلاقة المصرية-السودانية ويعود بعض أسبابها لرغبة سودانية بالانتقام من مصر الخديوي الذي استنزف خيراتها، أما تطورها اليوم فإنه يعود للأسباب الآتية:
1-ورود تقارير ومعلومات للدبلوماسية السودانية تتضمن معلومات حول الطلب المصري من أثيوبيا، باستبعاد السودان من أي مفاوضات خاصة بسد النهضة واقتصارها على بلدي المنبع والمصب.
2- اتهام مباشر وجهته وسائل الإعلام المصرية للسودان وللرئيس عمر البشير تحديداً، بطعن القاهرة من الظهر وكشف عمقها الاستراتيجي أمام عدوتها تركيا، بعد الزيارة الأخيرة لرئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان للخرطوم والتوصل لاتفاقات أمنية وعسكرية واقتصادية وتقديم جزيرة «سواكن»الاستراتيجية ﻹقامة قاعدة عسكرية متقدمة لتركيا في رسالة واضحة بتغير محور تحالفات السودان من المحور السعودي- الإماراتي إلى المحور القطري- التركي، الأمر الذي عدّته القاهرة تهديداً ﻷمنها القومي.
3-رغبة البشير في كسر «طوق» العقوبات المفروضة عليه من قبل محكمة الجنايات الدولية واستمراره باتهام مصر المستمر بدعم الحركات السودانية المتمردة في دارفور.
حتى اللحظة لم تقدم مصر على معاملة السودان بالمثل دبلوماسياً ولم تتحرك بعد في الإطار السياسي بشكل عدائي بل اقتصرت فقط على الاتهامات الإعلامية، ولكن مع ذلك يبقى من المؤكد أن تأزم العلاقة آخذ بالتطور بين البلدين وستكون له ارتدادات عكسية على كل من القاهرة والخرطوم سواء، فالتمرد داخل السودان لن ينتهي والتشرذم نحو المزيد من الانقسام هو ضمن المحاور الرئيسة لاستراتيجيات الدول الكبرى، والهجمات الإرهابية ذات الصبغة «الإخوانية» ستجد بيئة مناسبة لها جنوب مصر انطلاقاً من الأراضي السودانية، والتحكم في الممرات الدولية من باب المندب حتى قناة السويس لن يكون بإدارة ذاتية من هذه الدول في ظل تحول البحر الأحمر لساحة صراع نفود وتسابق في إقامة القواعد العسكرية.

طباعة