نشر موقع «عرب 48» في تاريخ 2/1/2018 ما سمته جريدة «معاريف» الصهيونية «التقرير الاستراتيجي لعام 2018». أعد التقرير خبراء من «معهد أبحاث الأمن القومي» التابع لجامعة تل أبيب، وقام اللواء احتياط عاموس يدلين رئيس المعهد بتقديمه إلى رئيس الكيان الصهيوني رؤوفين ريفلين يوم الاثنين أول أيام العام الجديد.
أشار تقدير الموقف الذي قام به يدلين في تقريره، إلى أن لدى الكيان الصهيوني فرصاً لتحقيق تقدم ملموس في وضعه الاستراتيجي، استناداً لقوته الاقتصادية وعلاقاته الجيدة مع الإدارة الأمريكية، وتداخل مصالحه مع مصالح ما سماها «الدول العربية البراغماتية»، وأضاف التقرير أن «إسرائيل» قادرة على الاستعداد جيداً للتعامل مع ما سماه «بناء القوة الإيرانية في سورية»، والوقوف في وجه اتفاق نووي إشكالي على المدى البعيد، وتثبيت معايير أكثر واقعية وجودة لتسوية «النزاع مع الفلسطينيين» حسبما جاء في التقرير.
استعرض التقرير بعد ذلك التهديدات المحتملة التي ستواجه الكيان الصهيوني في عام 2018، تاركاً سبل التعامل مع تلك التهديدات «للمؤسستين العسكرية والدبلوماسية» بما يتفق وطبيعة التهديد. وقد لخص التقرير تلك التهديدات بما يلي:
أولاً، الجبهة الشمالية: حيث أكد التقرير أن أخطر التهديدات التي يمكن أن يتعرض لها الكيان الصهيوني تأتي من احتمال اندلاع حرب على الجبهة الشمالية، أطلق عليها معدو التقرير اسم «حرب الشمال الأولى» التي يرجح أن يشارك فيها (حسب التقرير) قوتان رئيسيتان هما الجيش العربي السوري وحزب الله. وأشار التقرير إلى أن إيران تواصل عمليات تسليح منظمات تسير في فلكها (في إشارة إلى حزب الله) وتدعمها مادياً. وأن «قوات إيرانية تنشط على الحدود الشمالية، وفي الوقت نفسه تقوم ببناء قوة عسكرية على الأرض السورية». وذلك كله حسب التعبيرات والمصطلحات التي وردت في التقرير.
وأشار التقرير الاستراتيجي إلى أن «إسرائيل» ستضطر لمواجهة أعدائها في الجبهة الشمالية على المدى البعيد عن طريق الدمج بين النشاطات العسكرية الميدانية والاستراتيجية، وعليها تحمل عبء المواجهة مع هؤلاء الأعداء من جهة، ومع روسيا من جهة أخرى.
وتطرق التقرير للشأن الإيراني فقال إن على «إسرائيل» أن تسعى لبلورة تفاهمات رسمية واستراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة لمواجهة التهديدات الإيرانية في الشرق الأوسط، وأضاف أن هذه الاستراتيجية يجب أن تحقق ثلاثة أهداف هي:
منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، أو حتى الوصول إلى عتبة القدرة على امتلاك أسلحة نووية.
كبح النشاطات الإيرانية الهادفة (حسب المزاعم) إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
منع الجيش الإيراني من تعزيز قدراته التقليدية، الأمر الذي يحول دون زيادة «نفوذ طهران» في المنطقة. وحسب التقرير أيضاً فإن كل ذلك سيتم على خلفية وجود ومشاركة روسيا، التي يُرجح أن تبقى محايدة، لكنها ستفرض قيوداً على حرية عمل القوات «الإسرائيلية».
ووصف التقرير إدارة دونالد ترامب بأنها داعمة أكثر، ولكنها معزولة أكثر، حيث إن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة يتآكل، خاصة أنها تهدر أغلبية مواردها في مناطق أخرى بعيدة عن المصالح «الإسرائيلية».
وأشار إلى أنه بالرغم من أن حكومة ترامب معادية للاتفاق النووي مع طهران، إلا أن الاتفاق ظل صامداً لالتزام الجانبين ببنوده طوال العام الماضي. ومن الصعب أن تكون هناك إمكانية لتحسين شروط الاتفاق من جانب واحد مستقبلاً، حيث إن القوى الأخرى الشريكة في الاتفاق النووي قد لا تروق لها إعادة فتح الملف النووي الإيراني مرة أخرى.
ثانياً، على الجبهة الجنوبية: قال معدو التقرير الاستراتيجي إن ثمة تهديداً محتملاً قادماً من قطاع غزة يمكن أن تشكله المقاومة الفلسطينية إذا حدثت مواجهة على هذه الجبهة. أما احتمالات اندلاع المواجهة فناجمة -حسب تقديرات المعهد الاستراتيجي- عن عدد من الأسباب، منها تفاقم الأوضاع الأمنية داخل القطاع، ولاسيما في ظل صعوبات تعترض تطبيق اتفاق المصالحة الفلسطينية. أو ربما تندلع الحرب نتيجة حادثة محلية تؤدي لتصعيد غير قابل للسيطرة عليه، أو بسبب التوتر الناجم عن تصريحات ترامب بشأن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس «عاصمة لإسرائيل». أو ربما بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها سكان القطاع منذ سنوات. وأخيراً قد تؤدي الأعمال التي يقوم بها «الجيش الإسرائيلي» على حدود قطاع غزة لمواجهة الأنفاق الهجومية، إلى دفع المقاومين الفلسطينيين لمواجهة مبكرة مع جيش الاحتلال.
ثالثاً، على جبهة «داعش»: زعم التقرير أن تهديداً قد تشكله عصابات «داعش» الإرهابية على الكيان الصهيوني، بتجاهل متعمد من معدي التقرير الاستراتيجي للمساعدات التي يقدمها الكيان الصهيوني لتنظيم «داعش» وأخواته، وقد جاء هذا التجاهل محاولة لتبرئة الاحتلال الصهيوني من دعمه للإرهاب الذي تمثل – قبل هزيمة «داعش» – بتقديم العون الناري لإرهابييه ومداواة جرحاه في مشافي الاحتلال.
وادعى التقرير أن تنظيم «داعش» الذي هُزم في سورية والعراق نقل جزءاً من قواته إلى الجنوب السوري على مقربة من حدود الجولان المحتل، ونقل جزءاً آخر إلى شبه جزيرة سيناء المحاذية للحدود الجنوبية لفلسطين المحتلة. وزعم التقرير أن وجود تنظيم «داعش» على هاتين الجبهتين القريبتين من مواقع القوات الصهيونية يرجح احتمالات قيام مسلحيه بمحاولة ارتكاب عمليات إرهابية ضد أهداف صهيونية هامة.
وقدّر يدلين الموقف السائد في تقريره، واصفاً إياه بالجمود الذي يكتنف «النزاع» الفلسطيني- الصهيوني. فقد نجحت «إسرائيل» (حسب التقرير) في إيجاد واقع أمني مريح نسبياً، في حين «شهد الخياران الفلسطينيان خيار المقاومة وخيار تدويل الصراع فشلاً ذريعاً». وهذا قد يقود لتبني الفلسطينيين استراتيجية «الدولة الواحدة» التي لا ترغب فيها «إسرائيل».
وأكد التقرير أن جوهر التطورات وأهمها يكمنان في رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنجاز «صفقة مثالية» بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين». إذ من المتوقع أن يعلن طاقم الإدارة الأمريكية وثيقة مبادئ للاتفاق بين الطرفين. وأضاف أنه من المتوقع عدم الوصول لنتائج إيجابية وفشل المبادرة، وأنه في مثل هذه الحالة سيركز الطرفان «الإسرائيلي» والفلسطيني على تحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية إخفاق المبادرة الأمريكية.
وختم التقرير بالتأكيد على عدة نقاط أبرزها، إن أي تقدم سياسي مع الفلسطينيين هو ضرورة من أجل مواجهة مجمل التهديدات الماثلة أمام «إسرائيل»، وتحقيق التقدم في العلاقات التي يتم نسجها مع دول عربية مختلفة في المنطقة.
وتضمن التقرير أيضاً عدداً من التوصيات، أهمها ضرورة استغلال «مكانة إسرائيل» واستعداد دول عربية للمساهمة في المسيرة السياسية، فضلاً عن تعاطف الرئيس الأمريكي مع الكيان الصهيوني، والتأكيد على ضرورة التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع السلطة الفلسطينية لتفادي الانزلاق نحو «حل الدولة الواحدة» التي لن تكون بالضرورة «دولة يهودية» ولا ديمقراطية.
كما أوصى التقرير الكيان الصهيوني بالاستعداد والتكيف للحرب القادمة في ظل مراكمة تسلح أعداء «إسرائيل» بالصواريخ البالستية والطائرات من دون طيار ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، وإمكانية سيطرة المقاومة اللبنانية على مستوطنات في شمال فلسطين المحتلة.
وبالنظر لمحتوى هذا التقرير الاستراتيجي الصهيوني، يلحظ المراقب عدداً من الفجوات المتعمدة في مضمونه، ترمي لإظهار بعض الأمور على غير حقيقتها، لعلم معدي التقرير أن جهات خارجية كثيرة سوف تطّلع على محتواه، وأن تلك الجهات ستكتشف عدوانية الكيان الصهيوني إذا جاء التقرير شفافاً وذا مصداقية عالية.
يأتي على رأس تلك الفجوات تعمد معدي التقرير تجاهل الاعتداءات الصهيونية على مواقع عسكرية سورية والتي كان يرتكبها جيش الاحتلال لتأمين الغطاء الناري والدعم المعنوي للعصابات الإرهابية المسلحة كلما حقق الجيش العربي السوري انتصاراً أو تقدماً مهماً على أحد الاتجاهات. وهذه الاعتداءات هي التي من شأنها تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة، على عكس ما زعم التقرير من أن «إيران هي مصدر التهديد لأمن المنطقة وزعزعة استقرارها».
وفجوة أخرى تضمنها التقرير هي اعتبار تنظيم «داعش» الإرهابي يشكل تهديداً للكيان الصهيوني العنصري، والحقيقة أن هذا التحريف المتعمد للحقائق جاء لإيهام المراقبين بأن «إسرائيل لا تدعم الإرهاب، وأنها مستهدفة» من العصابات الإرهابية المسلحة. مع العلم أن هذا الكيان المحتل لأراضي الفلسطينيين بالقوة هو الإرهاب بعينه. وقد تآزر الإرهابيون في الكيان الصهيوني مع الإرهابيين في تنظيم «داعش» لتحقيق الأهداف ذاتها، والدليل أنه على مدى سنوات سبع، لم يتعرض الكيان الصهيوني لأي استهداف من عصابات «داعش»، مثلما تعرضت له سورية والعراق.
وعن «وثيقة المبادئ» المزمع طرحها من الإدارة الأمريكية لحل ما سمي «النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي» فقد تعاطى التقرير مع الصراع العربي- الصهيوني على أنه «نزاع» فلسطيني- إسرائيلي، في محاولة خبيثة لتحقيق غايتين في آن واحد. الأولى وصف الصراع الوجودي مع الاحتلال على أنه «مجرد نزاع»، والثانية تقزيم هذا الصراع من خلال تجريده من بعده القومي العربي، لإضعاف مفاعيله، ما يسهل انتزاع المزيد من التنازلات وتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الفلسطينيين.
أخيراً، نعرج على موقف أورده التقرير الاستراتيجي ولم يقف عنده، وهذا الموقف يخص الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، وهو الذي لا يخلو من وقاحة سياسية، لا يُقدم عليها إلا رؤساء الدول ذات التاريخ والواقع الاستعماري المتأصل.
لقد تجسد الموقف الأمريكي العدائي للعرب والمسلمين حين اعترف الرئيس ترامب بالقدس «عاصمة» للكيان الصهيوني الغاصب، مبدياً انحيازه التام لهذا الكيان العنصري. وفي الوقت نفسه يقوم هذا الراعي المنحاز وغير النزيه بتقديم مبادرة لا تخدم إلا المحتلين وحدهم، معتقداً أن وثيقته ستحل صراعاً عمره سبعون عاماً، يقوم بين غزاة محتلين قادمين من وراء البحار، وبين أصحاب أرض طردوا من وطنهم وسُلبت أراضيهم وممتلكاتهم.
وكي يكون الموقف الأمريكي أكثر إيغالاً في الانحياز والتواطؤ، فقد صرح الرئيس ترامب أن عدم قبول الفلسطينيين بهذه المبادرة الأمريكية، سيؤدي إلى قطع المساعدات عن منظمة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» والسلطة الفلسطينية التي تعهدت الولايات المتحدة بدعمها مالياً خلال اتفاقية اوسلو 1993، متنصلةً بشكل كامل من التزاماتها تجاه الفلسطينيين قاطبة في داخل فلسطين المحتلة وخارجها.

طباعة