تبدو القضية الفلسطينية اليوم في مهب رياح الإدارة الأمريكية التي تحاول اقتلاعها وطيها في أدراج النسيان، بداية مع قرار إعلان القدس «عاصمة» مزعومة لـ«إسرائيل» إلى قرار وقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، وما تخفيه الإدارة الأمريكية أعظم.
القراران الأخيران للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يندرجان على ما يبدو، ضمن خطة أمريكية – إسرائيلية لترجمة مقاربة جديدة تقوم على قلب القاعدة المعمول بها، بحيث يُصار أولاً إلى تصفية متعسفة لما يسمى «البنود الخلافية» الرئيسية بين الفلسطينيين و«إسرائيل»، بزعم تسهيل التفاوض، ثم تنصبّ الضغوط لعقد المفاوضات، على أساس المستجدات القائمة، لفرضها كأمر واقع، وكان ترامب قد ألمح إلى هذه المقاربة، عندما قال بعد إعلانه القدس «عاصمة» لـ«إسرائيل»: إنّ خطوته هذه «أزاحت عقدة صعبة من طريق المفاوضات، وإنّ على الفلسطينيين الجلوس على طاولتها»، والآن تجري المحاولة نفسها لشطب بند اللاجئين إذا أمكن، من مدخل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا».
السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي، شنّت حملة لوقف التمويل، من باب أنّ واشنطن تقدّم المساعدات ولا تتلقّى البدل، وهو شعار رفعه ترامب، خلال حملته الانتخابية، وكان من الواضح، أنّ السفيرة تتحدّث بلسان ترامب، إذ بقي وزير الخارجية ريكس تيلرسون، خارج الموضوع، رغم أنّه هو المعنيّ به أصلاً، وأثار إعلانها لهذا الموقف تساؤلات عن الغاية من ورائه، ولاسيما أنّ الوكالة محصورة نشاطاتها في القضايا الإنسانية والتعليمية والصحية، ولا علاقة لها بالسياسة.
التوجّه لوقف التمويل جاء ردّاً على تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بشأن رفض قرار ترامب حول القدس، وثمة تسريبات تفيد بأنّه أتى كردّ على رفض السلطة الفلسطينية استقبال نائب الرئيس مايك بنس، الذي سيبدأ زيارة للمنطقة في 20 كانون الثاني الجاري، وفي تفسير آخر، أنّ الإدارة الأمريكية توسّلت هذه الورقة، للضغط على الفلسطينيين، لحملهم على التفاوض، والقبول بمشروع صهر ترامب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «لحل القضية الفلسطينية».
وكان سبق وجرى التلويح بخطوات «انتقامية» ضدّ السلطة الفلسطينية، مثل وقف المساعدات المالية لها، واحتمال إغلاق مكتب بعثتها في واشنطن، إذا «تلكّأت» عن التفاوض مع «إسرائيل»، ربما هذا أو ذاك أو كله يجري ترويجه، تحت زعم أنّ الجانب الفلسطيني «يأخذ الأموال
ولا يجلس في أقلّه على طاولة المفاوضات».
قرار وقف التمويل ربما يربك واشنطن أكثر من قرار القدس, حيث بدت وزارة الخارجية الأمريكية مرتبكة في التعامل معه، إذ تبدو غير موافقة ضمناً على القرار، خاصة أنّ المتحدثة الرسمية باسمها هيذر ناورت، قالت: إنّ وقف تمويل «أونروا» لم يحصل بعد، وإنّ الموضوع ما زال قيد الدراسة.
عند إنشاء «أونروا» عام 1950، نصّ قرارها الدولي على تكليفها بتقديم العون إلى اللاجئين الفلسطينيين ولغاية عودتهم، بذلك ارتبط اللجوء بالعودة، وهي «نغمة» لا تطيق «إسرائيل» سماعها، ولهذا تستعين بإدارة ترامب المطواعة للخلاص، إذا أمكن، من الوكالة كمقدّمة للخلاص من قضية اللاجئين.

طباعة