المقارنة بين عملاقي الأدب الروسي تولستوي ودوستويفسكي ليست جديدة أبداً على عالم الأدب، فقد تضمنت على الدوام مناحي كثيرة من أدبهما منها التجديد وزوايا الرؤية للحياة اليومية للناس وأزمات الإنسان المعاصر ومصائر عيشه وكذلك في البنية الروائية لكل منهما، والتجديد الذي أحدثه كل منهما في عالم الرواية، وعلى هذا الأساس بدأ الحديث عن أيهما أعظم شأناً في الأدب الروائي من الآخر.
يقول دوستويفسكي عن فريدريك نيتشه: هو الوحيد الذي أفادني في علم النفس، كان اكتشافي له يفوق أهمية اكتشاف ستاندال.
بينما يقول الناقد الأدبي جورج ستاينر: تولستوي هو «الوريث الأهم للتقليد الملحمي»، ودوستويفسكي «واحد من أهم العقول الدرامية منذ شكسبير».
عرفت سيرة حياة تولستوي عدة مراحل متتالية الأولى تمثلت في طفولة هادئة وجميلة تلاها عقدان من السنوات الرهيبة، حيث عرفت تلك الفترة سنوات الفوضى في حياته والحرب على الصعيد العام، وبعد ذلك بعقدين آخرين من حياة الأسرة الهادئة والتي كتب خلالها أشهر أعماله، والمرحلة الأخيرة من حياته عند بلوغه الخمسين من العمر والتي تميّزت بالتمرّد ضد كل ما كان يحيط به.
ولعلّ أجمل عمل أنجزه تولستوي في حياته الشخصية هو هجره حياة الرخاء والرغد التي كان يحياها في البلدة التي كان يملكها، وخلعه الملابس الوثيرة وارتداؤه لباساً خشناً رثاً وراح من ثمّ يهيم على وجهه مثل أي فقير، لا أسرة لديه ولا منزل، ولقد وصفه البعض بأنه لا أحد وصف الطفولة والحياة الأسرية والزراعة والصيد والحرب كما وصفها تولستوي وكثيرا ما يتم الاحتفاء به لتصويره الطبيعة والحيوانات بشكل بالغ الدقة والروعة، ورواياته مبنية كمشاهد قصيرة سهلة القراءة، وتعتمد في كليتها على بعضها، وهي تقدم موضوعات معقدة بطريقة تلقائية وطبيعية.
كان تولستوي في السبعين عندما قرّر أن يهجر حياته الرغيدة والثراء والأمجاد التي كان حصدها. تنازل عن أملاكه لأهل البلدة من مزارعين وفلاحين، وخصّ زوجته بما يعود إليه من أرباح كتبه، وارتدى الثوب الخشن وغادر من دون أن يعرف الى أين ولا متى يعود.
وقد شبهه البعض خلال مراحل حياته الأخيرة بأنه شخصية طالعة من عالم دوستويفسكي، السفلي والبائس، شاء تولستوي أن ينهي حياته على الطريقة التي بدأ دوستويفسكي حياته بها، في عالم الفقر والبؤس والتشرّد.
أما روايات دوستويفسكي هذا «العبقري المريض» كما يُطلق عليه بعض النقاد، فقد استطاع من خلالها أن يفتن فيلسوفاً عدمياً مثل نيتشه وعالم نفس كبيراً مثل فرويد، ولم يكن مفهوماً بالنسبة للآخرين أو للمحيطين به، ليست لديه شخصية إيجابية بالمطلق أو سلبية، فشخصياته تتأرجح بين الخير والشر، ومسيرة حياته غير متوقعة كما أفعاله وسلوكه،عالم خاص وداخلي مشغول بحرفية نساج وكوابيس ليلية.
استهدف أدب دوستويفسكي الشخصية الإنسانية في أكبر مدى ممكن، فكل فرد لديه فريد في ذاته، وتالياً فمن الممكن ألا يمكننا التوقع عن أفعالها وسلوكها وتحولاتها وطريقة عيشها وعلاقاتها ومستقبلها، فالعقل لدى تلك الشخصيات غالباً ما هو متمتع بالأنانيةـ وقد يلجأ أحياناً للاعتماد على الحب الذي يدفع المشاعر الأخلاقية ويحثها, إنه يركز على الشر في تلك الشخصيات ويخرجها من عقالها.
يمتلك أبطال دوستوفسكي غالباً شتى الأفكار، ويمكن القول إن لديهم ميولاً وحماساً إزاء الأفكار وإزاء معالجة المسائل العامة للوجود الإنساني، يُحبون الدخول في نقاشات مستمرة حول شؤون الحياة ويناقشون باندفاع وحماس، كما تشكل اعترافاتهم ذكرياتهم وحواراتهم إحدى السمات الجوهرية لتصوير دوستويفسكي عالم الإنسان الداخلي وتناقضاته العميقة، وتلك الانكسارات المعقدة التي يتميز بها عالمه السيكولوجي.
يمكن القول كثيراً عن عالمي هذين الأديبين العملاقين اللذين شغلا النقاد سنوات وما زالا يثيران البحث والتقصي والمقارنة في نواحٍ عديدة من عوالمهما الأدبية وشخصياتهما، لكن حقاً هل ثمة منافسة أو مقارنة منطقية في عالم الأدب، أعتقد أنه لا توجد بالمعنى التقليدي، تولستوي ودوستويفسكي كاتبان عظيمان، قامتان أدبيتان رفيعتان واستنثائيان، إنهما يعيشان بعيداً عن عالم المنافسة.

طباعة