لن تُصدِّقوا ما شاهدته ذاك اليوم في مكتبة الرصيف تحت جسر فيكتوريا، لقد كان «برج الجوزاء» ينشطر لقسمين ويُحيط بكتاب «المثنوي» لجلال الدين الرومي ثم يُعيد اندماجه بنفسه كبيتٍ شعريٍّ واحد، و«برج العذراء» يتمرَّغ بكامل حسِّيته مع أبطال «عابر سرير» لأحلام مستغانمي، بينما قرنا «الثور» اخترقت بطن «الحب من الوريد إلى الوريد» لغادة السمان مُضيفاً دماءً جديدة وحُرْقة ما بعدها حُرقة، «القوس» أيضاً أحبَّ أن يُشارك نزار قباني الرَّسم بالكلمات، فأصابت سِهامُه إحدى الدوائر باللون الأحمر، فسالَ المزيد منه على الخلفية البيضاء للكتاب وامتزج مع الخطوط السوداء والدوائر الصفراء المجاورة، أما «العقرب» فكان يصبّ سمومه على «خيميائي» باولو كويلو ودقائقه الإحدى عشرة، و«السرطان» خارجاً لتوِّه من «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل قبضت عليه مُحتاراً هل يدهم «ملائكة وشياطين» دان براون أم يتأمَّل النَّهر مع «سدهارتا» هيرمان هيسه؟
«الحوت» بكامل هيبته ووقاره كان يُطلِق نافورة ماء وهو يُردِّد «اسمي أحمر» وكأنه دخل لتوِّه حالة هذيان جديدة بعد تلك التي أوقعته فيها «إيزابيل الليندي» في روايتها «صورة عتيقة».
على الجهة المُقابلة رأيت «الدلو» في انتظار غودو أيضاً مع أستراغون وفلاديمير وكأنه امتداد للشجرة التي وضعها صموئيل بيكيت في مسرحيته ولم تورق سوى ورقتين بعد زمن مديد. «الميزان» كان ينظر بريبة إلى نسخة ريزين بائسة الطباعة من «الجريمة والعقاب»، واضعاً كلاً منهما في كفّة، مُداوراً مشاعر «راسكولينكوف» البطل الدوستويفسكي الأشهر، أما «برج الأسد» فكان يُرسل زئيره احتفاءً بالأعمال الكاملة لطاغور، بينما «الجدي» يثغو ببضعة أبيات من ديوان المتنبي، في حين أن «الحمل» حَمَلَ نفسَه وغاصَ في أشهى أطباق «منال العالم»، مُتخلياً عن الأدب وتياراته المختلفة، وهو يقول حكمته المُفضَّلة المأخوذة من التراث الأرمني «بطن مليان.. كيف تمام».

print