مضت فترة طويلة لم يزرني فيها صديق قديم منذ أيام المدرستين الابتدائية والإعدادية…. وكما يقال: (غِلي قلبي عليه) لكثرة أولاده، وتراكم أمراضه، وقلة دوائه، فقررت زيارته لأن معزّة الأصدقاء الأوفياء (أحب إليّ من نقرِ الدفوفِ)..
بلا طول سيرة، وجدت صديقي يجلس خلف منضدة.. وأمامه أكداس من الورق قال إنها إعادة تدوير حصل عليها من بقايا دفاتر أولاده المدرسية… ودفع إلي بكومة أوراق، وطلب مني أخذها، وقراءة ما فيها… وبالطبع سأطلعكم على نتف من اليوميات التي تهمكم لكنها لن تمتعكم..
يقول صديقي: «محسوبكم يدعى حمدي مستورة.. كنت الولد الثاني بين ثماني ولادات لأمي.. انتظمت في المدرسة، وحصلت على شهادة الكفاءة.. أبي كان يعمل نجار شبابيك وأبواب خشبية.. وقد عملت معه ثلاث سنوات.. وتعلمت الصنعة.. وتوليت أمور ورشته بعد أن أحال نفسه بنفسه إلى التقاعد بسبب شيخوخته… وكانت الحال بدرجة (مستورة).. إلى أن دهمتني بعض الأمراض، كالديسك في الفقرات، والربو في القصبات، والأكزيما في اليدين.. ونقص الحديد في الدم.. وكلها جاءت على فترات… لكن العجب العجاب في الأمر أنه كلما (طَبَّ) عليّ مرض توافق ذلك مع ارتفاع أسعار الأدوية.. وبنسب نارية.».
فيا من ستقرؤون مخطوطي هذا.. «إذا متُّ، لا تقولوا إني متّ بسبب عدم قدرتي على شراء الدواء.. بل قولوا إن المرحوم انتهى عمره.. وملّت روحه العافية فوافاه الأجل بناء على رغبته.. والأعمار بيد الله.. وإن كانت الأدوية بيد وزارة الصحة.. ونقابة الصيادلة… ولا حول ولا قوة إلا بالله..».

::طباعة::