منظومة الحديث والعلمنة الغربية تدور في إطار ما يسمى الرؤيا الطبيعية المادية والحلولية الكمونية المادية أو المرجعية الكمونية, فالعالم حسب الرؤى يذهب إلى أن المبدأ الواحد المنظم للكون ليس مفارقاً له أو منزهاً عنه وإنما هو كامنٌ حالٌّ, فيه, ولذا فالكون يصبح مرجعية ذاته ومكتفياً بذاته, وتالياً تصبح حدود الإنسان هي حدود العالم الطبيعي المادي, ومنه يمكننا القول إن المادية التي تجعل المادة سابقة على الروح وفقاً لهذا الاعتبار تبدأ بشخصية لها كيانها وتنتهي بكائن بلا هوية, وحينما تصبح كل الرؤية يساوي تماماً نزعها عنها إذ تصبح كل الأمور متساوية, الخير مثل الشر والعدل مثل الظلم والحياة مثل الموت, ومع تعدد المراكز يصبح العالم لا مركز له, وبهذا تخرج تماماً عن المشروع التحديثي وتدخل في مرحلة أخرى تماماً لها ميزاتها المستقلة كل الاستقلالية عن مرحلة الحداثة, فإنسان مرحلة الحداثة يبقى على إيمان بأن العالم مركز لكنه حسب فلسفته خاضع لقوانين مطردة, وتالياً يمكن للإنسان أن يدرسه ويعرف قوانينه ومعاييره ويسيطر عليه ومن ثم يعيد صياغته حسب قوانينه.
ولذا فإن في هذه المرحلة مرتبطة بالمدلولات وقول الإنسان له معنى التواصل بين بني البشر ممكن, ولكن أفكار الإنسان ما بعد الحداثة تجعل الحتميات الطبيعية المادية المختلفة تسيطر عليه ونكتشف أن عالمه قد انفصل عنه وأنه لم يعد مركز الكون, وأنه يستمد معياراته من الطبيعة ويبدأ في الشعور, بأن الدوال لم يعد لها مدلولات وأن محاولة التواصل إنما هي عبث لا طائل من ورائه, فالحداثة المادية وفقاً لهاته الرؤيا يمكننا التعريف بها على أنها الإدراك المأسوي لفشل المشروع التحديثي وإمكانية معرفة الإنسان قوانين الطبيعة والسيطرة عليها, فحينما تتعدد المراكز وحينما تسود النسبية يصبح العالم بلا معيارية والدوال منفصلة عن المدلولات والكلمات, لا معنى لها, ومن هنا يمكننا أن نلحظ أن فكرة الكمونية المادية التي راهنت عليها مدارس ما بعد الحداثة وجعلتها مرتكزاً فشلت في أن تكون مرجعاً كلياً في حل اللغز الكوني, وتالياً فشلت في أن تكون مستنداً أوحد في بناء الحضارة الفكرية للإنسان.

::طباعة::