طاقاتٌ شابة موهوبة وواعدة لم تجد لأحلامها وطموحاتها مكاناً في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي باتت الدراسة فيه كمن يلاحق سراباً.. فإلى أين يلجؤون؟.
عدد محدود من الطلاب تم قبولهم في المعهد العالي للفنون المسرحية هذا العام، أما البقية فتم منحهم بطاقة حمراء على حد قول بعض المتقدمين الذين فشلوا في نيل القبول مرتين متتاليتين. أولئك مازال الحلم الكبير يشحذ إرادتهم ويدفعهم نحو فن التمثيل، وزادتهم الخيبة إصراراً، لذا حزم البعض حقائبهم نحو معاهد تمثيلية خاصة – إن صحّت التسمية – ليفردوا إبداعاتهم داخلها، وليقولوا إن دقائق الفحص القليلة التي خضعوا لها في امتحانات القبول في المعهد العالي لا تكفي لتقييم موهبة، وإن هذه الأحكام السريعة الجائرة كانت بمنزلة ضربة قاضية في حلبة صراعهم لتحقيق الأمل والحلم، خاصة مع بروز المحسوبيات و«الواسطات» داخل أروقة المعهد العالي التي رفعت نسبة القبول هذا العام من خمسة عشر طالباً إلى حوالي ثلاثين أو أربعين طالباً وطالبة من أصل أكثر من ألف متقدم ومتقدمة!.
هذه الكثافة والاندفاعة نحو الدراسة الأكاديمية لفن التمثيل في المعهد دفعت بعض المهتمين إلى التفكير بتأسيس ورشات ومعاهد خاصة، ليمكّنوا أولئك الشباب من اللحاق بسفينة الفن.. بعض هذه المعاهد استطاع تحقيق حضور فاعل، والبعض الآخر كان الإغلاق بانتظاره بسبب غياب الدعم المالي وبسبب عدم تمكنهم من الحصول على التراخيص المطلوبة من وزارة الثقافة… وللحديث عن ظروف عمل تلك المعاهد المسرحية وواقعها الحالي إليكم هذه البانوراما من اللقاءات واقتفاء الأثر:

الفنانة نغم ناعسة «مدرِّسة سابقة في المعهد العالي»، فرّغت نفسها للتعليم في مركز «ستيج آرت» الذي أسسته بجهودها الفردية بعد أن آثرت الابتعاد عن العمل الفني، ونذرت نفسها لإعداد الشباب فنياً، تقول: «كان الهدف من إقامة المركز تغيير وجهة نظر الناس نحو الفن، وتعليمهم الفن الراقي، وإيجاد بديل يضاهي احترافية الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي أصبح بمنزلة حلم بعيد المنال لكثير من الموهوبين، وذلك بسبب الشروط القاسية والتعجيزية لقوانين المعهد، وخاصة التعليمات التنفيذية، وأمزجة لجان القبول، إضافة إلى المحسوبيّات الموجودة فيه».
وحول التأخير في منح الترخيص من الجهة التي من المفترض أنها صاحبة الأحقيّة في منحه (أي وزارة الثقافة)، قالت:
«منذ بداية فكرتي وقعتُ في إشكالية الحصول على الترخيص، مع مشكلة أخرى تتعلق بموضوع عدم تمكّن المراكز الخاصة من منح شهادة خبرة في فن التمثيل للطلاب الدارسين فيه.. لذلك لجأتُ إلى وزارة الثقافة لكونها الجهة الاعتبارية المسؤولة.. وذلك انطلاقاً من كوني خريجة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وقمت بتدريب الطلاب ومنهم متقدمون خلال هذه المدة، إضافة إلى ورشات عمل كثيرة قمت بها خلال السنوات العشر الماضية على صعيد المسرح والفن، وهذا كلُّه يفترض أن يمنحني أحقية افتتاح مركزي الخاص… إلا أنني فوجئت بالشروط التعجيزية للحصول على الترخيص، رغم أنني كنت أتوقع العكس، خاصة ضمن ظروف الحرب الراهنة، ووجود شباب خريجين وأكاديميين يعملون من أجل تحقيق بصمتهم الخاصة عبر فن المسرح، لذا أعتقد أنه يفترض بالوزارة أن تقدم تسهيلات لمنح التراخيص، وأتمنى على الوزارة دعم هذه المعاهد التدريسية الخاصة، ومنحها إمكانية تقديم شهادة خبرة لتسليمها للطالب كي يشعر بالأمان من جهة، وإلا كيف نستطيع أن نثبت أن هذا الطالب أنهى دراسته إلا بوثيقة تخرّج تثبت ذلك. وإذا أرادت وزارة الثقافة أن تدعم هذا المشروع وتضع، في الوقت نفسه، تلك الشروط التعجيزية، أقترح عليهم أن: يدفعوا أجور هذه الأمكنة ثم يشغلوننا فيها بشروطهم المطلوبة.. فالمهم عندنا أن يكون الطالب مرتاحاً ويحقق غايته وحلمه في دخول عالم الفن المسرحي».
تضيف ناعسة: «بعد قراءة الشروط التعجيزية وأهمها المطالبة بضرائب مالية ومدفوعات بلا مردود لهذا المكان حسب الفقرة «ب» من البند الأول من القرار رقم / 1220/  المعني بتأسيس الروابط والملتقيات الثقافية ودور الثقافة وفرق الهواة الفنية الصادر بتاريخ 23/5/ 2017 والتي تنص على: «ألا يكون وراء تأسيسها أغراض مالية أو غير مشروعة…» والذي يبدو مناقضاً للفقرة «ج» من البند الثاني الذي يشترط تبيان الموارد المالية للملتقى وكيفية التصرف بها.. فكيف يريدون لنا أن نستمر ضمن هذه الشروط؟.».
حاولت ناعسة البحث عن خيارات أخرى عند وزارة التربية أو وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، تقول: «وجدت حلاً آخر هو اللجوء إلى وزارة التربية أو وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والصراحة أنني حالياً في طور الحصول على ترخيص من أي وزارة غير الثقافة، وخلال شهر يفترض أن تكون الأمور أوضح بالنسبة لي، ونحن سنبقى نعمل لأن الحب لهذا المكان هو ما يدفعني للاستمرار ومحبة من فيه، ونحن باقون ومصرّون على نشر ثقافة الحب والفن، وسأكافح للحصول على ترخيص من أي جهة أخرى».
عن أهمية الحصول على شهادة صادرة عن وزارة الثقافة تقول ناعسة:
«الضرورة تأتي من كونها تساوي بين طلاب مركزنا وطلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، فلماذا لا تتحقق تبعة المعهد للوزارة والمعهد يلتزم بالشروط التي يفترض أن تكون سهلة لكي نمنح الطالب شهادة من قبل مختصين موجودين لدينا والاختلاف بينا وبين المعهد أن لدينا منهاجنا الخاص بإشراف أساتذة أكاديميين؟».
البيروقراطية تقتل الفنون كلّها!
«مدرسة الفن المسرحي» كانت واحدة من المبادرات الفردية التي أطلقها الدكتور سمير عثمان الباش لتكون مكمّلاً و داعماً  للمعهد العالي للفنون المسرحية الوحيد في سورية والمسؤول عن تخريج طلاب مسرحيين أكاديميين.. في هذا الإطار يقول عثمان:
«الشروط التي طرحتها وزارة الثقافة لمنح التراخيص لهذه المبادرات الثقافية شروط تعجيزية مستحيلة التحقيق، لأنها تحول المبادرات الأهلية إلى «مديريات ومؤسسات تابعة للوزارة». مثلاً هناك فقرة بالقرار /1220/ تطالبنا بكيفية إنشاء المكتبات والحفاظ على الوثائق التي تصدر من وزارة الثقافة فما علاقة الوزارة بموضوع الحفاظ على أرشيفنا؟. وهناك فقرة أيضاً تتعلق بتدوين الحسابات والايرادات والمصروفات والتي تكون أحيانا من جيبنا الخاص وهي غير قابلة للتدوين لأن هذا المشروع أهلي وقائم على المبادرات الإيجابية والتبرعات!.
في الفصل الثالث البند رقم /27/ الذي يقول «لا يجوز لأي ملتقى أو رابطة ثقافية أن تتسلم أو تحصل على أموال أو مبالغ من شخص أو جمعية أو هيئة أو ناحية خارج الجمهورية العربية السورية ولا ترسل شيئاً مما ذكر إلى منظمات أو أشخاص في الخارج إلا بعد موافقة رئاسة مجلس الوزراء!… يتابع الباش: إذا كان أخي يعمل في الخارج وأراد دعم مشروعنا بمبلغ من النقود فما المانع في ذلك ونحن بإمكاننا تزويد الجهة المسؤولة بكل التفاصيل حول هذا المبلغ؟.
ونوّه الباش بأن نقيب الفنانين زهير رمضان باتت لديه ثقة مطلقة بهذه المبادرة خاصة بعد النتائج التي حققتها على صعيد العروض المسرحية، وأن الأستاذ رمضان بدأ يفكّر جدياً بتأهيل الفنانين الذين درسوا بمدرسة الفن المسرحي ليكونوا أعضاء في النقابة».
يشدد الباش على أنه رغم عدم اعتراف وزارة الثقافة بالشهادة التي نمنحها لخريجي مدر
المستشار القانوني في وزارة الثقافة بشير عز الدين الذي أسهم في استصدار القرار (1220) القاضي بمنح التراخيص للملتقيات ودور الثقاسة الفن المسرحي، أقول لهم: لماذا تنكرون علينا ذلك، رغم أنها أصبحت شهادة معترفاً بها خارج سورية، وهي موقّعة من أساتذة كبار وأسماء مهمة؟!.. نحن نشكل بما لدينا من أسماء  مهمة
مثل (سامر عمران، ورضوان الدايه وميادة الحسين وبسام كوسا ومريم علي ومهيار خضور… وغيرهم) مختبراً مسرحياً، وكنت أتمنى على وزارة الثقافة أن تناقشنا بهذا الخصوص وأن تجلس معنا لتستمع إلى همومنا ومشاكلنا، وأن تعرف ماذا نقدم أو ماذا نملك، وما مشاريعنا وتطلعاتنا… قبل أن تصدر القرار الأخير رقم 1220 تاريخ 23/5/2017 المتعلق بشروط تأسيس وإدارة الروابط والملتقيات الثقافية ودور الثقافة وفرق الهواة الفنية..»!.
الوزارة لا تملك الحق بمنح التراخيص!فة، أكد «أن قانون وزارة الثقافة لا يمنح الوزارة الحق بمنح تراخيص لأي معهد فني أو مسرحي ضمن القطاع الخاص، إضافة إلى أنه عندما صدر قانون المنظمات غير الحكومية أعطى الصلاحية لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بمنح تراخيص كهذه، أما وزارتنا (الثقافة) فلا تملك قانون صلاحية الترخيص بالجمعيات  ولا بالنوادي الثقافية، وهناك قانون قضى باستحداث معاهد درامية لكن وزارة المالية رفضت نشره بالصحيفة الرسمية، لأنه لا يوجد نص في قانون وزارة الثقافة يجيز لها استحداث هذه المراكز».
وأضاف: «إن هامش وزارة الثقافة يتعلّق بالتجمعات الثقافية ودور الثقافة، ويقتصر دورها على أن تعطي تلك التجمعات «لا مانع»، الأمر الذي دفع بوزارة الثقافة لإعداد قانون جديد يسمح لها بـ «الترخيص للقطاع الخاص ولمختلف المعاهد التأهيلية لمختلف أنواع الفنون»، إضافة إلى «منح التراخيص للمتاحف التراثية»، وهذا القانون أقر برئاسة مجلس الوزراء، في شهر كانون الأول الماضي، وأحيل إلى مجلس الشعب، وهو قيد النقاش حالياً عبر لجنة الإرشاد والتوجيه، ومن المتوقع خلال هذا الشهر الانتهاء من نقاشه.
نقص القانون.. وحالة من الضياع!
يؤكد عز الدين: «نحن حريصون كوزارة على تنظيم مسألة المعاهد التأهيلية الثقافية في القطاع الخاص بكل الفنون التطبيقية، لأنها في حالة ضياع وتخبط بسبب نقص في القانون الجديد سابق الذكر ونحن نضطر أحياناً لمنحها تراخيص للمعاهد تحت مسميات غير دقيقة مثل: جمعية أو نادي… لأنه لا يوجد ترخيص بهذا الإطار».
في النهاية، يبدو أن المعاهد الخاصة التي تدرّس المسرح أو الفنون تحتاج نظرة قانونية شاملة تتناول دورها في المجتمع وأهمية تفعيل المجتمع الأهلي في الثقافة والفن لأن هذا من شأنه أن يصب في المكان الصحيح الذي تسعى إليه المؤسسات الثقافية الرسمية بمختلف تسمياتها.

طباعة