على واجهات ورفوف المكتبات والمحلات وحتى على البسطات، انتشرت كتب, رسم بين دفتيها ملامح المستقبل والمجهول أشخاص هم «منجمون مودرن»، البعض منهم يدعي امتلاكه ميزة الرؤية، وقسم يدعي اعتلاء ناصية علم الفلك، بينما آخرون وهم الأغلبية منهم لا يلبث أن يسمع صوت الزبون حتى يبدأ بسرد توقعاته حول الصحة والعمل والزواج وغير ذلك من قضايا مصيرية تصل أحياناً حد توقع الحياة والموت، وعلى الرغم من أن عبارة «كذب المنجمون ولو صدقوا» تجمع بينهم وتضعهم على قائمة واحدة، فالغريب أن أولئك المنجمين الذين يعزفون على وتر رغبة البشر في معرفة المجهول، كانوا ولايزالون يحتلون المنابر في وسائل الإعلام عبر حلقات خاصة وفقرات يومية وثابتة في البرامج الصباحية، وتفرد لهم مساحات على صفحات الجرائد والمجلات، أما المستغرب فهو اهتمام معظم الناس على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم بمن فيهم فئة المثقفين وأصحاب الشهادات العليا وتهافتهم لشراء هذه الكتب، كما أكد صاحب إحدى المكتبات الذي أطلق على هذه الكتب قنبلة الموسم ووصفها بـ «باب الرزق» له ولمؤلفيها، وهو ما يجعل تلك الظاهرة تزداد خطورة وذلك حسبما لفتت الدكتورة رشا شعبان اختصاصية الفلسفة والمجتمع في جامعة دمشق، أثناء وقفة لـ «تشرين» معها للحديث عن أسباب تعلق العديد بما تقوله الابراج، وهل يمكن أن تلعب الأزمات دوراً فاعلاً في جعل الناس يتجهون نحو شراء الوهم والأمل؟
بين التسلية والاهتمام
رغم علمها علم اليقين أن سقف تلك التوقعات لا يتجاوز حد التكهنات، فإن الأمر بالنسبة لسهام الصفدي تحول إلى موعد تتسمر فيه أمام شاشة التلفزيون لمتابعة ما يقوله المنجمون، والسبب في ذلك يندرج كما قالت تحت باب كسر الملل وحب الاستطلاع، وهو مجرد تسلية لا ترقى إلى مستوى اليقين والإيمان بما يقال، وفي هذا اتفقت مع مدرس اللغة العربية سالم الحاج الذي وصف الامر كمن يعيش داخل الأحلام هرباً من الواقع اعتماداً على ما تقوله النجوم والمنجمون الذين يستغلون خوف الإنسان الدائم من المجهول، ويسعون لإشباع فضوله بكتبهم وكلامهم المنسق والمنمق.
رأي لم يجد إلى أم سليم التي لم تكتفِ بالمتابعة فحسب سبيلاً، فهي وبحكم العادة والهوس بالأبراج أصبحت من رواد الصفحات على الفيس بوك التي تقوم بتحليل الشخصية ومعرفة ما الذي سيحدث لها في القادمات من الأيام، ومسوغها ينطلق من قناعتها بأنها تبحث في تلك المواقع وكلام المنجمين عما يبث الأمل في نفسها فيما يخص حياة ومستقبل أبنائها الذين شردتهم الحرب وبعدت المسافات بينها وبينهم! وهي رؤية تقاسمتها مع المهندسة حنين التي عدّت أن نهارها لا يبدأ إلا بعد أن تستمع إلى ماغي فرح التي تحرص على شراء كتابها السنوي مهما غلا ثمنه.
بدورها جمانة الطباع موجهة تربوية عدّت أن الأمر برمته وهماً لا يمت بصلة إلى علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وطالبت بمنع عرض مثل هذه البرامج على وسائل الإعلام لكونها تنال من بعض ضعاف النفوس وقليلي الإيمان والثقافة، وتسلب عقول الكثير من الشباب والنساء وحتى الصغار، مؤكدة ضرورة توعية فئات المجتمع بدءاً من الأسرة والمدرسة، فالبيئة والتربية أساس الفكر لبناء المجتمع الذي يتخذ من العلم وسيلة وغاية لتحقيق تطوره ونجاحه.
أسعارها تصل إلى العشرة آلاف ليرة
هذه النوعية من الكتب تلقى رواجاً واسعاً رغم أن أسعارها باهظة تصل إلى العشرة آلاف ليرة، هذا ما أفاد به سليمان الحلبي صاحب مكتبة، مشيراً إلى أن استضافة هؤلاء المنجمين وبكثرة في البرامج التلفزيوينة جعلت منهم نجوماً، لهم متابعوهم ولاسيما من النساء والفتيات وهذا لا يلغي شراء الرجال لمثل هذه الكتب أيضاً، وعن أكثر تلك الكتب رواجاً نوه الحلبي بأن البعض يعمد إلى اقتناء كتب كاملة عن برجهم الخاص ويطلب نصيحته كبائع في اختيار اقرب الكتب إلى المصداقية، لكنه يحرص على الحيادية فهو كما ذكر بائع مستفيد وقراءة مثل هذه الكتب لا تستهويه.
الفصام بين العلم والوعي الاجتماعي
وعن تلك الآراء التي تؤيد عالم الأبراج أو من تعارضه، تقول الدكتورة شعبان: عادة ما يخاف الناس من المستقبل، لأنه يشكل بالنسبة لهم المجهول، وكل مجهول يخلق لدينا حالة من الفضول المعرفي والخوف بآن معاً، الماضي نرتاح إليه لأنه مضى وانقضى وأصبح معلوماً، أما المستقبل فموقفنا تجاهه إشكالي ويمتزج بالرهبة ويشكل عند البعض «فوبيا» حقيقية.
وتابعت: اللجوء إلى التنجيم أو الأبراج ناتج عن هذا الفضول في معرفة المستقبل وكذلك محاولة للتنبؤ عما سيحدث لبث الطمأنينة بالنفس وحتى ولو كان ذلك وهماً وإيهاماً وفاقداً للمصداقية، إنها محاولة واهمة في المعرفة لكنها تنطوي على الشعور بالطمأنينة، وهي ظاهرة سلبية تزداد في المجتمعات المتخلفة والبعيدة كل البعد عن التفكير العلمي والعقلاني، وكذلك تظهر أكثر وتشتد في الأزمات والحروب والكوارث، حينما يشعر الإنسان بعجزه وضعفه وعدم قدرته في إيجاد الحلول المناسبة والعلمية والمنطقية للأحداث والمشكلات، وأمام هذا العجز يلجأ لما هو خرافي أو وهمي وحتى لو كان ذلك ليس أكيداً.
وقالت د. شعبان لدى سؤالها عن ولع المثقفين بهذا النوع من التنجيم: يتطلع البشر لمعرفة مصير مشكلاتهم مستقبلاً وهم عاجزون عن الحلول، وفي عالم لم يتعود التفكير العلمي أو العقلاني، يلجأ البشر إلى طرق غير علمية ولا منطقية. والأكثر خطورة عندما تجد الظاهرة عند من يمتلكون شهادات علمية عالية وقد حصلوا على مستوى عالٍ من العلم، كالطبيب أو المحامي أو المهندس أو المدرس، فهؤلاء حصلوا على الشهادة العلمية لكنهم لم يمارسوا العلم بوصفه طريقة تفكير ونهجاً حياتياً ويومياً، وهنا يظهر الفصام بين العلم والوعي الاجتماعي، والمسؤول هنا هو أساليب التعليم في مجتمعاتنا التي تعمد إلى التلقين والحفظ ولم تجعل العلم وسيلة للحياة، حتى في مقرراتنا هناك مواد تعلم القوانين العلمية ثم نأتي لمواد أخرى أو في المادة نفسها نجد الفصام، حيث نلجأ إلى بعض الجمل أو التفاسير الغيبية البعيدة عن المنطق العلمي، وكذلك يجب ألا نغفل مسؤولية الإعلام ودوره في نشر ثقافة الخرافة والوهم في المجتمع، حيث يعمد إلى المنجمين والعرافين في برامج القصد منها بث الأمل والتفاؤل عند البشر، في حين إنهم في الحقيقة يشوهون تفكير الناس ويزيدون من عجزهم في حل مشكلاتهم، ويتركونهم أسرى منطق التفكير الوهمي والسطحي والاتكالي والمتخلف.

print