بين قارئي الأفكار ونفاق المنجمين تختلط الأمور، إلا أن اللجوء لقارئي الأفكار لا يحتاج لخدع كثيرة فهم عبارة عن أشخاص يملكون إحساساً لدرجة مرتفعة حيث تأتي موهبتهم بالفطرة كما يمكن أن يملكوا الحاسة السادسة التي يعملون على تطويرها من خلال التعمق بكتب علم النفس ولغة الجسد .
نتطرق إلى تجارة ربحية أكثر إلا أنها كانت ومازالت خارج بورصة الأسواق التجارية لكون أبطالها يحملون لغة ليست ككل اللغات فهؤلاء لغتهم الأساسية (ضرب الودع وقراءة الفنجان والكف وغيرها) أبطالها و(العياذ بالله) حفنة من الدجالين والمشعوذين الذين يبيعون الوهم لمدمني التبصير فلهجتهم التبصيرية والجملة المتداولة على لسانهم (أنتَ مسحور) وتحتاج لكذا وكذا، فمن يطرق بابهم ويدوس بساطهم سيرى العجب عندهم بدءاً من البخور التي رائحته لا تفارق (أوكارهم) وانتهاء بماء الورد والزعفران مروراً ببعض التعاويذ الورقية، فتلك أدوات نصبهم واحتيالهم ومن هم في الخارج ضحاياهم، فمنهم من ينتظر عودة غائب له ومنهنَّ من ينتظرنَ عريس يفك عنها سجن العزوبية والقائمة تطول.. ولله في خلقه شؤون، وبعد كل هذا وببساطة نقول إن التنجيم حرفة تعتمد على التلاعب بعقول البسطاء، وللأسف الشديد في ظل الفوضى العارمة بات لهؤلاء أيضاً أسواقهم السوداء فالابتزاز المادي ممزوج بدمائهم، وقد تحولت هذه الظاهرة إلى تجارة رائجة هدفها الأول والأخير الربح المادي السريع.
إذاً فالسحر يعد من الأمور المحرمة والهدّامة التي ينبغي أن يتكاتف المجتمع لمحاربته بكل الوسائل، باعتباره من أكبر الكبائر ومن أخطر الأمراض التي تصيب الأفراد والمجتمعات، من خلال تكثيف حملات التوعية والإرشاد بطرق جديدة توصل الرسالة للناس، ومتابعة بؤر السحرة والمشعوذين في البلاد والقضاء عليها.
فمن يسمع شكاوى الناس يدرك مدى معاناة الكثيرين من السحر والشعوذة وأننا بحاجة للتعاون في مكافحته وكشف السحرة وأعوانهم وتكليف جهة رسمية تعنى به ويتمثل ذلك بإنشاء إدارة خاصة لمكافحة السحر مثل إدارة مكافحة المخدرات ومكافحة الجريمة.
داخل بيوتهم
حب الاطلاع والبحث عما يجول بدواخل هؤلاء (المنافقين) من أفكار شيطانية وكلمات سوداوية دفعنا لجولة استطلاعية منها ما هو ميداني أو من خلال التحدث معهم على الهاتف (فسمفونيتهم) الأساسية بيض الفال حتى تعرف المآل.
أحد ممتهني التنجيم وهنا نعتذر عن نشر الأسماء أو حتى الأحرف لحساسية الموقف، ومنذ وصولنا منزله وجدنا المكان يغص بمجموعات من النساء والرجال معاً وكلهم أقبلوا إلى هذا المكان لمعرفة الأسباب الكامنة وراء بعض المشكلات إضافة لمعرفة مستقبلهم المهني والعملي والعاطفي وكأن هؤلاء المنجمين سيعبّدون لهم طريق الأمل والرجاء، والمسألة المهمة هي أن جميع الموجودين مقتنعون تماماً بما يقوله هؤلاء المشعوذون، فتصوروا إلى أي حد بلغ تأثيرهم في عامة الناس.
التجربة أكبر برهان
رحلتنا ضمن عالم المنجمين كانت مسلية أحياناً ومؤلمة أحياناً أخرى، إلا أن هذه الزيارة أعجبتنا لذا قررنا زيارة المزيد من هؤلاء حتى قصدنا بيت أحدهم فوجدناه شخصاً عادياً بملابس متواضعة إلا أن المكان كان (متخماً) بمن يريد الإسراع بمعرفة مستقبله أو الشفاء من مرضه، انتظرنا دورنا حتى دخلنا إليه ليس بصفتنا صحفيين إنما كمريض بحاجة لمعرفة الأسباب الكامنة وراء أوجاع الرأس، فقال: معمول لك سحر ومدفون في مقبرة مجهولة ولفك هذا السحر نحتاج لكتابة خاتم من فضة وهذا يحتاج إلى ماء ورد وزعفران وبخور، طبعاً من يقرأ شفاه هذا المنجم المرتجفة وينظر في عينيه الجاحظتين سيلحظ أن ما تفوه به من كلام لا يمت للحقيقة بصلة ولاسيما أن مجيئنا لمنزله ما هو إلا تمثيلية لمعرفة ما يدور في خلد هذا المنجم المدعي قراءة المستقبل، ومن ناحية أخرى لرؤية زواره وزبائنه، فهذه أم عدي التي قالت إن ابنتها لم تشف من مرضها إلا بعد أن ذهبت بها إلى أحد المنجمين الذي استطاع كشف مرضها وفك السحر عنها حيث عادت لحياتها الطبيعية، إذاً فهذه المرأة وغيرها من النساء بتنَ مقتنعات أن ما يقوله ضاربو الودع هو صحيح 100%، ما قالته أم عدي لم تخفه سلوى. ب التي أفصحت أن مسيرتها الزوجية على شفير الهاوية نتيجة خلافها مع زوجها إلا أن ذهابها إلى أحد المنجمين المقيم في ريف دمشق وقيامه بكتابة (حجاب) لهما أعاد المياه إلى مجاريها، أما عبير. ف والتي عانت الأمرين من كلام الناس ونظراتهم بعد أن مر على زواجها 5 سنوات من دون أن تنجب ما دفعها وبعد إلحاح الكثير لها بأن أحد المنجمين سوف يحقق لها حلمها وبدأت رحلة العلاج الوهمية والطلبات الغريبة حيث طلُب منها قطعة ثياب خاصة بزوجها مع بعض الأعشاب وحرقها ودفنها في أرض البيت ما كلفها بيع قطعة ذهبية خاصة بها، علماً أن ما يتقاضاه هؤلاء المنجمون من جراء كشف المستور يفوق /5/ آلاف ليرة سورية للجلسة الواحدة وإذا تطور الأمر واحتاج المريض لحرز أو حجاب أو فك سحر فالمبلغ يتزايد ليتجاوز الـ /30/ ألف ليرة سورية.
ولقراءة الكف مكانة تنجيمية
طبعاً قراءة الفنجان وغيرها من أنواع التنجيم لم تكن الوحيدة في ميدان الشعوذة فهذا الميدان على ما يبدو مملوء بالكثير من قوائم التبصير والتي من ضمنها قراءة الكف الذي ووفق بعض المهتمين بهذا الشأن مازال يمارس حتى يومنا هذا ولاسيما عند (الغجر والهنود) حتى أصبح له زبائنه، فهناك من يؤمن به ويقتنع وهناك من ينظر إليه على أنه علم من العلوم الفلكية، فالكف بحسب من التقيناهم يعتمد أولاً على قراءة خطوط اليد التي تقسم إلى خط الرأس والقلب والحياة وهي خطوط أساسية، إضافة لبعض الخطوط الثانوية كخط القدر وخط النصيب وخط الكبد وغيرها من الخطوط التي يدعي قارئ الخطوط من خلالها معرفة ما سيحدث لك خلال مسيرة حياتك وهلمَّ جرا.
وممتهنو قراءة الكف لهم أيضاً زبائنهم ولكن من جراء الإقبال الشديد على هؤلاء قد تحول هذا العلم إلى ظاهرة خطيرة.
اشرح نجمك
رحلة التنجيم هذه وعالمها المسلي وأبطالها المنافقون، دفع بنا للغوص في أعماقها أكثر فأكثر لنتعرف على أنواع جديدة منها حتى عثرنا على أشخاص يدّعون قدرتهم على معرفة ما سيمر بمسيرة حياتك من أحداث بدءاً من الزواج وانتهاء بالوفاة من خلال شرح نجمك وبختك ولهذا العلم زبائنه المقتنعون به تماماً فأبطال هذا النوع من التنجيم بات لهم أسواقهم وزبائنهم.
قد تبدو هذه القصص مثيرة للضحك للمتفرج، أما من جربها فكثيراً ما يكون الأمر بالنسبة إليهم جارحاً ومبكياً، واللافت في الموضوع هو الانتشار الواسع للمنجمين الذين يدعون قدرتهم على شفاء كل من يشتكي من ألم في معدته أو رأسه أو حتى إعادة النظر لشخص مصاب بالعمى، ولا ننسى أن نضم إليهم من يدعون الإلمام بالطب العربي.
ماذا يقول العلم؟
وعن سبب الإقبال الشديد على أماكن وجود الدجالين والمشعوذين التقينا ناديا الدبيسي- مرشدة نفسية ورئيسة شعبة البحوث التربوية حيث قالت: كل من يذهب إلى المنجمين يكون قد فقد الأمل في أمر ما يخص حياته، وتالياً عندما يطرق باب هؤلاء الدجالين يكون لديه الاستعداد لتصديق ما يقولون ظناً منه أن لديهم قدرات خارقة يمكن أن تفيده، وهذا الاستعداد الموجود لدى البعض يجعلهم ينجرون وراء الأكاذيب المدبلجة بهدف سلب المال، والحل يبدأ ليس من مقاومة أماكن عمل هؤلاء الدجالين فقط بل من التربية كتربية الأمهات أو تصحيح أفكارهن وتغيير اتجاههن نحو موضوع الشعوذة والتنجيم، وتالياً يتعدل السلوك لديهن ليستطعن تربية أولادهن تربية سليمة قائمة على التفكير العلمي المنطقي، فكم يحتاج مجتمعنا لتصحيح المفاهيم والأفكار والسلوكيات الاجتماعية المغلوطة التي تبدد طاقات الفرد الإيجابية وتحولها إلى طاقة سلبية مؤذية.
لتضيف التنجيم ظاهرة تستوجب الدراسة المعمقة من جراء آثارها السلبية في الفرد والمجتمع فهي تعد مضيعة للوقت وللمال، وهي دجل وشعوذة، وبعض الأسباب التي تدفع الناس للجوء إلى المنجمين تعود إلى البيئة فمن ينشأ من صغره على هذه المفاهيم الخاطئة، يكبر مع قصص الجان والعفاريت، إضافة لذلك وهذا الأهم هو إصابة بعض الأشخاص باليأس والإحباط خلال مسيرة حياتهم ما يدفع بهم لمراجعة المشعوذين والمنجمين بينما السبب الرئيس يكمن في التخلف والجهل لذلك وللخروج من هذا المستنقع يجب أن نغذي روح العلم عند عامة الناس، فهناك الكثير من خريجي معاهد الخدمة الاجتماعية فما المانع من فتح معاهد خاصة ترخص رسمياً ومن لديه مشكلة اجتماعية تكون وجهته هذه المعاهد المدعمة بالكوادر العلمية بدلاً من اللجوء إلى هؤلاء الدجالين.
كلمة أخيرة..
إذاً وبعد هذه الجولة علينا أن نقول وبكل صراحة إن زمن الخرافات ولّى ولم يعد مقبولاً ونحن في القرن الحادي والعشرين أن يبدد بعض الناس جهودهم وثرواتهم لتحويل التراب إلى ذهب بوسائل سحرية وكلمات خرافية وتمتمات (خزعبلية)
بالتأكيد يستطيع الإنسان أن يزرع شجرة يتعهدها بالري والرعاية حتى تكبر ويشتد عودها ثم تزهر وتثمر وعندها يجني ما نضج من ثمارها…هذا هو المعقول الذي يحترم قواعد الحياة ولا يغالط في نهج الخالق عز وجل…
أما اللامعقول هو الحصول على ثمرة من غير شجرة واختزال قواعد الزمن بغير الوسائل المتاحة، فإذا دققنا بما يزعمه المنجمون من قدرات معرفية وقراءات مستقبلية نرى أنه يتنافى تماماً مع العقل والمنطق لكون أقوالهم تنفي القدرة الإلهية وحاشا لله أن يكون كذلك «إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون» علاوة على ذلك فأولئك المشعوذون يرتكبون إثماً لأنهم ينسبون لأنفسهم ما اختص الله به، فالغيب لا يعلمه غير الله، لذلك وبعد هذه المسيرة المملوءة بالقصص والحكاية لابد من أن نقول وخاصة لمن يؤمن ويعتقد بقدرات هؤلاء المشعوذين الذين باتوا كثراً هونوا على أنفسكم ولا تنجرفوا مع هذا التيار المخالف لكل الأعراف الدينية والتقاليد الاجتماعية، فالأمر كله بيد الله تعالى ولا يعلم الغيب إلا هو وأن كل أنواع التنجيم ما هي إلا ضرب من ضروب الدجل والشعوذة ونقول لمدعي معرفة المستقبل لا تتعاملوا مع الناس باستخفاف.. فعليكم أن تتقوا الله في دينكم لأن تجارة الوهم لا تدوم.

طباعة