توسعت ظاهرة الدروس الخصوصية عمودياً وأفقياً بين جميع شرائح المجتمع السوري.. ولم يعد موضوع استعانة الكثيرين من الأهالي بمعلمي الدروس الخصوصية لتعويض الضعف الحاصل في التدريس الرسمي حكراً على الطبقة الغنية أو أبناء المدينة، بل أصبحت الأسرة السورية بغنيها وفقيرها مضطرة للاستعانة بأساتذة الدروس الخصوصية لتمنع تراجع أبنائها في تحصيلهم الدراسي ولتحافظ على مستوى تعليم جيد نتيجة تراجع مستوى التدريس خلال السنوات الأخيرة.
وفي ريف دمشق، بدت المشكلة أكبر حيث غصت المدارس الرسمية بأبناء المهجرين وامتلأت الصفوف عن بكرة أبيها بالطلاب، ولم يعد هناك موطئ قدم، وبعض المعلمين لم يعد قادراً على ضبط صفه وإيصال معلومته بالشكل الجيد لجيمع الطلاب نتيجة الاكتظاظ الكبير والتشتت بين التركيز على شرح الدرس من جهة، وضبط الطلاب ومنع الضوضاء في الصف من جهة ثانية.
يلغي حافز التفكير
رئيسة دائرة البحوث في تربية ريف دمشق سحر الخير قالت: للأسف هذه الحالة موجودة ونحن كدائرة بحوث، نحاول دراسة هذه المشكلة التي تؤدي إلى أن يأخذ الطالب الدرس الخصوصي كي نعالجها وهمّنا إيجاد الحل كي يفهم الطالب دروسه في المدرسة وأن يكون قادراً على حل دروسه واستيعاب كامل المنهاج وتجاوز الامتحان من دون الحاجة لأي درس خصوصي.
وأضافت الخير: نتيجة الظروف الحالية يوجد عدد كبير من الطلاب في الصفوف ورغم أن الدرس يُعطى بشكل عام بكل تفاصيله، قد يكون العدد الكبير للطلاب في كل صف عبئاً على المدرس وسبباً من أسباب انتشار ظاهرة الدرس الخصوصي، وأحياناً أخرى يكون الطالب بحاجة لدروس خصوصية نتيجة الفروقات الفردية الكبيرة بين الطلاب، وقد يكون هناك نقص في التعليم القبلي (السابق) لدى بعض الطلاب.
وبينت الخير أنه يجب على المعلم تنويع الوسائل في الحصة الدرسية لأن هناك فروقات فردية بين الطلاب توجب ذلك وأضافت: هناك الطالب الذي يفهم بطريقة سمعية أكثر وهناك الطالب الذي يفهم بطريقة بصرية أكثر، منوهةً بأن شخصية الأستاذ تلعب دوراً بارزاً وأساسياً في ايصال المعلومة وعدم قدرة المدرس على ضبط صفه سينعكس سلباً على جميع الطلاب.
ودعت الخير إلى ضرورة الاعتماد على الذات من قبل الطالب مؤكدة أن الدرس الخصوصي يلغي حافز التفكير والمثابرة لدى الطالب.
عادات جديدة مؤثرة
رئيسة دائرة البحوث في تربية ريف دمشق رأت أيضاً أن إنشغال الأهل عن الطلاب لسبب ما يجعلهم يلجؤون للمدرس الخصوصي كي يريحوا أنفسهم من مهمة متابعة دراسة أبنائهم، موضحة أن هناك مسؤولية تقع على عاتق الأهالي في انتشار هذه الظاهرة، وأضافت: بعض الطلاب الذين لا يفهمون الدرس لا يسألون معلمهم في الصف كي يعيد لهم شرحه بل يفضلون الاستعانة بالمدرس الخصوصي.
وقالت الخير: يفضل أن يفهم الطالب دروسه بالاعتماد على نفسه وإذا كان هناك من صعوبات في فهم الدرس يفضل أن يسأل أستاذه من دون الاستعانة بالمدرس الخصوصي لأن الاعتماد على المدرس الخصوصي يلغي ويضعف حافز التفكير والمثابرة لدى الطالب، مشيرة إلى أن بعض الطلاب يحبذون حتى حفظ دروسهم من خلال المدرس الخصوصي.
الخير لفتت إلى أن هناك تقليداً من قبل الأهل للآخرين وأن الطالب قد لا يكون بحاجة أصلاً لدرس خصوصي.
على المدرس تنويع طرائقه في التدريس
رئيسة شعبة الإرشاد النفسي في تربية ريف دمشق ديانا حسان، أوضحت أن موضوع الدروس الخصوصية له عدة أسباب، أولها أسباب تتعلق بالمنهاج ذاته وأسباب تعود للطالب، مضيفة أن الأسباب المتعلقة بالمدرسة تلعب دورها كتنقل الطفل أو الطالب من مكان لمكان والضغوطات التي يتعرض لها بسبب الأزمة.
وعن الاسباب التي تتعلق بالطالب قالت حسان: لكل طالب أسلوب يناسبه وعندما يكون هناك كم كبير من الطلاب بالتأكيد المدرس لن تكون لديه القدرة على إيصال المعلومة بعدة أساليب، وأضافت: هذا ما نعمل عليه، نحاول أن نعلم المعلم كيفية إيصال معلومته بعدة أساليب، موضحة أن جميع الطلاب ليسوا في المستوى نفسه.
وأضافت حسان: بالنسبة للمنهاج هناك مناهج جديدة وأساليب حديثة متبعة في تعليم الطلاب والأهالي متعودون على نظام قديم للتعليم ما شكل صعوبة على الأهالي في تعليم ومتابعة تدريس أبنائهم في المنزل، مؤكدة أن المنهاج ليس صعباً، وإنما هناك أسلوب جديد في التعليم ومواكبة للتطور الحاصل في التعليم.
وأعطت حسان مثالاً في مادة الرياضيات، وقالت: تغيرت الرموز فقط وأصبح التركيز على الطالب كي يستنتج ويستقرأ وليس التركيز على الحفظ والتلقين فقط ولذلك الأهالي يجدون صعوبة في المنهاج الجديد لأنهم تعلموا أسلوب البصم والتلقين.
تأثير لهجات المعلمين في استيعاب الطلاب
أضافت الأزمة وظروف الحرب مشكلة جديدة لطلاب المدارس بسبب استيعاب المعلمين والمعلمات المهجرين في مدارس الريف الدمشقي، والمشكلة أن الكثيرين من هؤلاء المعلمين يتحدثون مع طلابهم في الصف ويشرحون درسهم بلهجتهم المحلية البحتة ما شكل صعوبة في فهمهم من قبل طلاب وأطفال الريف الدمشقي وخصوصاً الصغار منهم.
المواطن (هـ. ش) من ريف دمشق قال: أبنائي في المدرسة الابتدائية لا يفهمون على آنساتهم ولا يفهمون ما يقولونه لهم، المعلمة تخاطبهم وتشرح لهم الدرس بلهجتها الشرقية وأبنائي يعانون في فهم ما تقوله لهم المعلمة.
رئيسة دائرة البحوث في تربية الريف قالت: واجهتنا كثيراً مشكلة تحدث المعلمين بلهجاتهم المحلية ونحن وجهنا بهذا الخصوص لجميع المعلمين كي يستخدموا اللغة العربية الفصحى أثناء شرح دروسهم وتحدثهم مع الطلاب لأنها لغة مفهومة من قبل الجميع.
سؤال مشروع: إلى أي حد تلعب الضغوطات المادية دورها في هذا الموضوع؟
المواطن هـ ش من ريف دمشق أوضح أن إحدى المعلمات قالت لطلابها في الصف: من لم يفهم منكم الدرس يستطيع أن يأتي إلي في المنزل، مضيفاً أن لديها أكثر من 15 طالباً وتأخذ من الطالب الواحد على الدرس ثلاثمئة ليرة.
رئيسة دائرة البحوث في تربية الريف أكدت أن هذه مخالفة قانونية ويحاسب عليها المعلم إن حصلت، وأضافت: لم تصلنا هذه السنة أي شكوى مثل هذه الحالة.
وأوضحت الخير أن الضغوطات المادية ليست فقط على الأساتذة والمعلمين، وقالت: جميعنا نعمل لخدمة هذا الوطن وهذا الطفل الذي هو أمانة في أعناقنا.
الطريقة المثلى لإيصال المعلومة
لمعرفة الطريقة المثلى في إيصال المعلومة طرحنا هذا السؤال على المعنيين في تربية ريف دمشق.
رئيسة شعبة الدراسات والبحوث في دائرة البحوث بتربية الريف آلاء مشوح رأت أنه يجب على المدرس أن يقوم بمراجعة نفسه وأسلوبه دائماً وخصوصاً حينما يرى أن هناك تراجعاً في علامات طلابه ونتائج فحوصاتهم، لأن هذا دليل على أن المعلومة لم تصل بالشكل المطلوب وتالياً يجب على المعلم أن ينوع في طريقة إيصال المعلومة وفي أسلوبه، وقالت: ضروري جداً أن يوصل المعلم معلومته مترافقة مع ابتسامة كي يحب الطالب ويقبل على التعلم وتنشأ علاقة تفاعلية بينه وبين معلمه مبنية على الثقة.
في حين رأت رئيسة شعبة الإرشاد النفسي ديانا حسان أن الطريقة المثلى كي يتعامل فيها المدرس مع طلابه أن يكون مستعداً بشكل جيد لدرسه ولديه كم من المعلومات حول أي موضوع يمكن أن يتناقش به مع الطلاب، مضيفة أن المدرس لديه رسالة ويجب أن يعد طلابه كأولاده في المنزل وأن يتعامل معهم بتعاطف ويبني جسور الثقة بينه وبينهم، وعندما يحب الطالب أستاذه يكون لديه استعداد أكبر لحضور حصته والتعلم منه في حين لا يحب الطالب أن يحضر الحصة الفلانية إذا كان يكره أستاذها وهكذا. وأضافت حسان إنه من الضروري أن يتقرب المعلم من طلابه بعلاقة سليمة ويتعامل معهم بتعاطف لأن لكل طالب مشاكله الخاصة وظروفه الخاصة.
من جانبها سحر الخير أوضحت أن جوّ الأمن والأمان داخل الصف ضروري جداً للطالب، لأنه إن أحس بهذا سوف يحرر طاقاته الكاملة ويتفاعل أكثر أثناء الدرس، وتالياً سوف يستطيع التعبير عن رأيه، مضيفةً أنه في الوقت ذاته الحزم مطلوب ويجب أن يكون هناك توازن لدى المعلم بين توفير الامن والآمان للطالب وضبط الفوضى في الصف في الوقت ذاته. وبينت الخير أنه ورغم الظروف هناك أعداد كبيرة من الطلاب لا تأخذ دروساً خصوصياً وهي متفوقة رغم أن المدرس هو ذاته مدرس الطلاب الذين يلجؤون للدروس الخصوصية، منوهةً بأن دراسة نتائج معظم المتفوقين بينت أنهم من مدارسنا الرسمية العامة.

طباعة