لم يكن الحديث عن تدني أجور المسرحيين جديداً في أي من المراحل التي مرت فيها الحركة المسرحية السورية لكنه لم يحظَ يوماً بجدية واهتمام يتعدى المطالبة بأرقام مقبولة من دون جهد حقيقي ينصف المشتغلين على الخشبة فنانين وفنيين، ويوازيهم بما يتقاضاه زملاؤهم في الدراما، وعليه صار مفهوماً إن لم نقل طبيعياً، تجاه معظم خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية نحو دور تلفزيوني لا يتعدى أحياناً مروراً سريعاً في «كادر» أو مشاركة في «خناقة» افتراضية، يضمن لهم خطوة درامية أولية، توفر أجراً مقبولاً وتفتح نوافذ نحو عالم الشهرة والمال، من الصعب أن يتيحها المسرح لأسباب كثيرة.
ما سبق يمكن عده جزءاً من الإجابة عن سؤال «لماذا يهجر الفنانون خشبة المسرح إلى الدراما؟»، لكن هل مازال طرحه صحيحاً مقابل عدة عروض شهدناها مؤخراً، وما الذي يدفع الممثلين فيها للعمل رغم الوضع القائم؟. هذا ما توجهنا به إلى عدد منهم.
يؤكد الفنان سعيد الحناوي أن هذه الهجرة مازالت مستمرة للأسباب المادية المعروفة فالأجور البخسة التي تُدفع في المسرح والميزانيات القليلة لم تعد مقبولة ولاسيما أن للعرض المسرحي بروفات ربما تصل إلى ثلاثة شهور أو أكثر بينما في الأعمال التلفزيونية لا يتجاوز العمل عدة أيام مقابل أجور تساوي عرضين أو أكثر. واللافت للنظر في الآونة الأخيرة ظهور أعمال تسمى «شبابية» وهي الأعمال الخفيفة على المنتجين والشركات الجديدة، صاروا يغرون الممثلين الجدد بالأدوار البطولية وهذا سبب أيضاً لبعدهم عن المسرح. إذاً يمكن القول إن البحث عن الشهرة والتوسع في العلاقات الفنية أديا للنتيجة ذاتها.
بدأ الحناوي مشواره ممثلاً ومخرجاً مسرحياً، قدم أعمالاً محلية ودولية حصلت على جوائز، كان آخرها في مهرجان القاهرة التجريبي 2009، توقف بعدها لعدة أسباب أهمها الحرب ولجوؤه للكتابة التلفزيونية والعمل في الدراما لكن مع عودة الحياة للبلد بكثير من النشاط والحيوية، عاد إلى العمل المسرحي محاولاً إيصال رسائل بطريقة حضارية عبر خشبة المسرح، بالذات نحو شريحة الشباب، فألّف وأخرج عرض «زاوية».
تجربة الحناوي شبيهة بما مر به عدد من المسرحيين لكن الحديث عن المسرح يحتاج في رأي الفنان محمد شما، وهو صاحب مشاركات كثيرة منها مسرحيتا «الوصية» و«ليلة التكريم»، إلى مساحات واسعة من الحوار لتقريب وجهة نظر المسرحيين، لكن أين هم بداية.. هل يوجدون في الدراما؟، وهنا يقصد الشباب على سبيل الحصر، فإذا بحثنا بدقة كما يقول فلن نجدهم إلا في بعض الاستثناءات، فالمسرح اختُصر بالمعشوقة التي تصيب محبيها بالمقتل بغض النظر عن الأجر المادي، وعليه فمن يوجد على الخشبة هم عشاق المسرح أما من تسلل -وله الحق- إلى الدراما، فالسبب هو الأجور والوضع المادي الصعب في ظل الظروف الحالية وقبلها، إذ لا يمكن مثلاً مقارنة جهد يمتد أحياناً إلى ثلاثة أشهر مع كثير من التفكير في أي عمل مسرحي حقيقي مع تصوير ثلاث ليال في قطاع الدراما التلفزيونية، شتان بينهما من ناحية التحصيل المادي.
تبعاً لهذا لا يستطيع شما اختصار أشجان وأحلام المسرحيين، لكنه يؤكد الحاجة إلى نهضة كبيرة من قبل عدة أطراف منها أولاً القائمون إدارياً على شؤون المسرح، وأول ما يجب أن يُنظر فيه أجور الممثلين والفنيين حتى لا تقتصر القصة على العشاق الذين يبذلون كل شيء ليحيا أبو الفنون، يجب أن تأتي أجيال تتابع هذا الشغف.
وهو ما حدث مع الممثلة مجدولين حبيب، حيث بدأت قصتها مع الخشبة حين حضرت عرض «فوضى» على خشبة مسرح الحمراء من إخراج الفنان عبد المنعم عمايري، كانت ساعة من الزمن غيرت مجرى حياتها فبدأت في مجال التمثيل وأخرجت مؤخراً عرض «ليلة التكريم». تقول مجدولين: هجرة المسرحيين حقيقة لا يمكن إنكارها أو التهرب منها رغم ما تنضوي عليه من وجع، وسيبقى المسرحيون يهجرونه إلى الدراما ماداموا غير قادرين على العيش منه.
وعلى ما يبدو فإن ما يعيشه محبو المسرح اليوم معادلة تتفوق فيها هواجس الخشبة وينتفي معها كل ما سواها فالممثلة ربى طعمة تؤكد استحالة ابتعادها عن المسرح باتجاه الدراما مع إن محاولات المسرح الشبابي كما تراها خجولة لكنها طموحة إضافة إلى أن المسرح بالنسبة لها قصة عشق طويلة، قدمت خلالها عدة أعمال مسرحية خلال خمسة عشر عاماً وحصلت على جوائز داخلياً وخارجياً، منها مشاركتها كدراماتورج في عرض «مولانا» الذي قدم في مهرجان المسرح العربي في بغداد منذ أعوام ومسرحية «حلم ليلة حرب» في مهرجان طائر الفينيق في طرطوس.

print