الدولة بمعناها الحقيقي مجموعة قيم وأفكار ومفاهيم وقوانين تعمل بطريقة متعالقة بطريقة توافقية متكاملة على تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع وبين السلطة وأفراد المجتمع من جانب آخر.. والفيلسوف أفلاطون في حديثه عن الفرق بين سلطة الدولة وحكم الغوغاء يقول محذراً: «علينا أن نتصور الدولة وما فيها من قوانين موروثة على أنها نوع من المحاكاة للمدينة السماوية وما لا شك فيه أن القانون أفضل من الهوى، وأن صلاح الحاكم الخاضع للقانون أفضل من تلك الإدارة التحكمية التي تصدر عن طاغية مستبد أو عن حكومة أوتوقراطية أو عن حكم الغوغاء. ولا ريب كذلك في أن القانون هو بوجه عام قوة باعثة على الحضارة يصبح الإنسان من دونها، مهما تكن صفته أخطر من الحيوانات المتوحشة».. وفي ضوء هذا البيان علينا أن نتفق على أن الأطروحة المركزية التي يجب أن يقدمها أي عمل درامي عبر حمولات إشاراته ودلالاته بأن العلاقة بين أفراد المجتمع لا يمكن ضبطها إلا بسلطة الدولة التي توفر الأمن للجميع وتضمن للجميع الاستقرار، وتفرض على كل شخص احترام حق الآخر في الحياة وفي التعبير، من دون تدخل منها بأي وجه من الوجوه في شكل العلاقة التي تجمع بين أي إنسان وبين ربه، من أي دين كان، أو حتى لو كان بلا دين.
وإذا اتفقنا أن فكرة أي عمل درامي تنهض على الديالكتيك باعتباره مرتكزاً أساسياً لا محيد عنه في صناعة أي فن يخدم الإنسان على مستوى التنوير والمكاشفة للواقع بغية خلق وعي فعال في المجتمع، وإيجاد تحليلات صائبة لواقع المرحلة التي يمر فيها هذا المجتمع، فإن واقع هذه المرحلة التي يمر فيها عالمنا العربي يفرض بشكل مباشر أو غير مباشر فضح الواقع التكفيري وسلوكياته الإرهابية، وتسليط الضوء على إشكالات هذا الفكر وتناقضاته ومصير الإنسان الذي يتبناه، ومنعكسات ممارساته وسلوكاته الوحشية واللاموضوعية على المجتمع، والوطن، والدولة، وتالياً تعرية هذا الكائن (الإرهابي/المتطرف) المختل إنسانياً وروحياً ووجودياً وكونياً أمام المشاهد، بكل أطيافه، لاستفزازه ضده وضد ممارساته، من أجل أن تصبح صورة هذا الكائن السلبي أكثر وضوحاً؛ كيف كان وكيف صار وما ينتظره من وبال، بقصد تنوير المجتمع، وصقل الوعي، وتالياً خلق أعلى مستوى من التوتر لدى المتلقي والتأثير فيه، من خلال تظهير ما يمكن من شروط التمرد على ذلك الفكر الظلامي الناكص..
وبهذه العملية يقترب العمل الفني من الوظيفة الأساسية والرسالة النبيلة التي يجب على الفن حملها التي هي رسالة تنويرية تسعى لبناء الروح الإنساني المؤمن بكرامة الحياة المجتمعية، فالحضارة التي وصل إليها بنو البشر ما هي إلا سيرورة لنتاج تأملات وإبداعات العقل الإنساني والاشتغال عليها كي تصبح الحياة ضمن الجماعة أكثر استساغة.. بل ضرورة طبيعية للعيش المتوازن والتفاعل الإيجابي الخلاق، وتالياً الدراما يقع على عاتقها تظهير هذا الجانب ولكن بطريقة عقلانية مدروسة بإحكام، فالدراما تحت الضوء وتعمل بالضوء وتستخدم الضوء وتالياً فلتكن كما الضوء لكي تنير للأجيال درب الحياة السعيدة والجميلة وترشدهم إلى ألطف الطرق للوصول إليها.

طباعة