الحياة والطبيعة لا تحتملان القطب الواحد.. وحتى في الميتافيزيقيا لم تُعرف نماذج أحادية القطب.. ودائماً كان لابد من وجود الإله الرحيم بالبشر، مع وجود الوسواس الخناس، الذي هو الشيطان.. مثلما لا يوجد، ولا يمكن وجود مغناطيس بقطب واحد، من دون قطب يقابله ويتلازم معه..
وكما في الطبيعة، كذلك في السياسة، كذلك في الأدب.. لابد من وجود قطبين متلازمين، ومتنافرين، حيث لا يمكن للنص الأدبي أن يصبح قطباً من دون نقيضه، وأقصد قطب المنتج، وقطب القارئ المتلقي.. والنصوص الهيروغليفية ظلت نقشاً فوق حجر، ورسوماً بلا معنى، إلى أن جاء من يفك رموزها، ويحولها إلى شيء مقروء ومفهوم..
وثمة مقولة كلاسيكية لأرسطو تفرق بين ما هو موجود بالفعل.. وما هو موجود بالقوة.. فالشجرة موجودة بالفعل، وقائمة على أرض الواقع، لكن بذرة الثمرة من الشجرة قائمة بالقوة، لأنها تحمل إرهاصاً بالشجرة.. وهي بذلك ليست شجرة.. إذ يمكن لهذه البذرة أن تنبت في ظروف ملائمة.
وهكذا هو النص الأدبي من حيث إنه سيرورة غير مكتملة (موجود بالقوة) لا يكتمل ما لم يصبح مقروءاً من قبل قارئ.. وهنا تبرز احتمالات لا نهاية لها، حيث ليس ثمة قارئ وحيد.. بل قراء.. ولكل منهم مكوناته الثقافية المتفاوتة، التي بدورها تحدد مستويات لا نهاية لها من إمكانات تلقي النص..
وبغض النظر عن قراءة الناقد، أو مجموعة من النقاد، للنص، وهم على الأغلب متخصصون، والجادون منهم متحصنون بإيديولوجيا، أو نظريات، قد يصيبون فيها أو يخطئون.. وبعضهم قد يساعد القارئ على فهم أعماق ما قرأه، وكشف فضاءات كانت غائبة عنه، أو يعقّدون الأمر، ويغلقون الأبواب في وجهه، ويحيلونه إلى متاهات التفكيكية، ثم التركيبية، ثم إعادة الجمع والتركيب، بحيث يظن المتلقي أن عليه فهم أسرار صنع قنبلة نووية قبل أن يفهم ما قرأ من نص بسيط، يتحدث عن مشهد من حيوات أناس بسطاء.. أليس هذا ما خضع له نص الروسي نيقولاي غوغول في قصة «المعطف»؟!..
وأظن، أن العلاقة بين المرسل (الكاتب)، وبين القارئ (المستقبِل) هي العلاقة الأهم، بعيداً عن السماسرة، والوسطاء.. وهذا لا يتم إلا عبر جهاز سليم، معبّر عنه بلغة واضحة، بسيطة، وسليمة، تخبئ فكرها بمهارة تحت عباءة الفن الممتع.. والمؤلم، أحياناً.. حيث يتحول النص إلى معادل لحياة قارئه.. ويصبح معبراً عن حال معاناته..
وأعتقد أن مهمة الفن ليست معادلة بسيطة، بل هي معادلة معقدة.. لكن المتلقي ليس معنياً بمثل هذا التعقيد.. هو، أولاً، وآخراً، يبحث عن أسئلة وجودية لجدوى وجوده.. ولجدوى صراعاته في البحث عن لقمة عيشه، وعيش أطفاله.. وبالتالي، هو لن يهتم بالمجرد الذي يكتب في الصفحات الثقافية، قدر اهتمامه بما تلامس تلك الصفحات همومه الوجدانية، ثم هموم يومه..
.. يهمني هنا هذا الكم الهائل من التنظير الذي ينشر في صحفنا شبه الرسمية، فالمطلوب إنتاج رؤى جديدة، تنفي السائد.. وتؤسس لمراحل جديدة.. لا تنسف التراث، بل تتناوله بعمل منسجم مع معطيات العصر، وتشابكاته المربكة..
المطلوب هو التواصل مع القارئ بلغة بسيطة، ولكن ليست مبسطة.. أعني الكتابة بعقل بارد، لطرح أفكار حارة.. من أجل دفع المتلقين نحو فهم وتفسير واقع، وليس توصيف هذا الواقع..

طباعة