تعاني منطقتنا العربية مما يمكن أن يطلق عليه «متوالية قرع طبول الحرب»، الأمر الذي ينتج عنه عدم الاستقرار والفوضى في المنطقة، إلى جانب ما يسفر عنه ذلك من خسائر بشرية ومادية باهظة، واشتداد معاناة السكان، واستهلاك المزيد من الجهود والأموال، كل ذلك لا يخدم إلا أجندات أمريكا والغرب و«إسرائيل» وأعداء العرب عامة.
ويقترن ذلك مع حملات إعلام هستيرية وشرسة تمارسها وسائط إعلام عربية معروفة، من خلال بثّ يومي يصل حدّ الإشباع عبر تعشيب للأكاذيب والافتراءات واختراع الحكايات والقصص الوهمية وتلفيق الأخبار في هذا الشأن أو ذاك، بهدف تشويه الحقائق وعدم وصولها إلى الرأي العام كما يجب، بما يؤجج الأوضاع والأجواء، ويوسع دائرة التفخيخ الطائفي والمذهبي وترصيف الغش والتزوير، ولاسيما فيما يتعلق بنشر الفتاوى المغرضة التي تفوح منها روائح الحقد والضغينة، وتمزق نسيج المجتمعات المتآلفة.
إن هذا كله ينطبق على السعودية التي فرض حكامها «بنو سعود» ومن خلال أموالهم سطوتهم على عدة بلدان عربية، وبنو سعود بهذا العمل يشبهون ما يفعله «صافر»، ذلك الطائر المحكوم والمسكون دائماً بالهلع، فتراه يطلق صوته باستمرار لكي لا يؤخذ غيلة حسب المثل الذي يقول «أجبن من صافر». ويقيناً إن مثل هذا الطائر الأحمق يعاني الأرق المزمن، حتى وإن كانت حاجته إلى النوم كالحاجة إلى التنفس.
الأمثلة على ذلك كثيرة يأتي في مقدمتها الأحداث التي تعيشها بعض الدول العربية، ولاسيما منها الحرب الإرهابية على سورية منذ حوالي سبع سنوات تقريباً، حيث أشعلها بنو سعود وموّلوها بضوء أخضر أمريكي «لإسقاط» الدولة السورية، ومن ثم حربهم العدوانية على اليمن منذ أكثر من عامين والتي أعادت اليمن عشرات السنين إلى الوراء، وقتلت الآلاف من أبناء الشعب اليمني، ودمرت البنية التحتية وكل معالم الحياة في اليمن، بذريعة دعم ما تسميه «الشرعية»، علماً بأن الهدف الرئيس لهذه الحرب، تحويل اليمن إلى بلد تابع للسعودية نهجاً وسياسة تبعية مطلقة.
أما تدخلات بني سعود في لبنان، فهي قديمة وجديدة ويعرفها الجميع، وكان آخرها استدعاء رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى الرياض وإجباره على إعلان استقالة كانت مكتوبة ومعدة سلفاً، الأمر الذي شكل مفاجأة من الوزن الثقيل وضعت لبنان في موقف حرج، ولاسيما في ظل الأحداث التي تشهدها بعض الدول العربية.
إن ما جاء في نص الاستقالة المذكورة عن أسباب تقديمها غير صحيح في معظمه، هذا ما أشارت إليه مصادر متعددة، فمثلاً تعرض الحريري لمحاولة اغتيال في بيروت، نفته مصادر أمنية لبنانية، وأكدت أن لا علم لها بوجود مثل هذه المحاولة، كذلك الأمر بالنسبة للادعاء القائل بأن قرار الدولة اللبنانية مختطف، وأن التدخلات الإيرانية في شؤون لبنان الداخلية تزايدت في الآونة الأخيرة، كل هذه المزاعم لا تستند إلى وقائع دامغة ومقنعة، وتالياً فإن الأهداف الحقيقية من الاستقالة- كما أشار إليها العديد من الباحثين والمراقبين- يمكن إجمالها على الشكل الآتي:
– وضع لبنان مجدداً أمام أزمة سياسية واجتماعية حادة وكبيرة تنسف الاستقرار الذي شهده بعد تشكيل الحكومة واختيار العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في العام الماضي، وبدء عودة لبنان إلى سكة التوافقات الصحيحة بين تياراته السياسية.
– تأكيد الحضور السعودي الدائم في لبنان عبر وكلاء معتمدين في السلطة وغيرها، علماً أن هذا الحضور، يستغل باستمرار التوازنات الهشة التي مازالت تحكم لبنان وتضر بأمنه واستقراره وخياراته المستقلة، إضافة إلى أن النظام السعودي هو وراء كل ما تعرض له لبنان من أزمات، وما تعرضت له دول عربية أخرى مثل سورية والعراق واليمن وليبيا من حروب إرهابية عبر مجموعات متطرفة رعتها وموّلتها الأسرة السعودية المالكة، وهذا ما تؤكده الوقائع على الأرض، وما أشار إليه مؤخراً الوزير الأول في الجزائر عندما قال: إن مئات المليارات من الدولارات صرفت لتدمير عدة دول عربية من دون أن يسمي الدول الممولة لذلك، لأنها معروفة وفي مقدمتها السعودية وقطر.
– استغلال هذه الاستقالة لمزيد من التحريض ضد إيران بحجة «تدخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة»، وما يؤكد ذلك أن حملات التحريض على إيران من قبل آل سعود تزايدت بشكل ملحوظ قبل استقالة سعد الحريري. وجاء في سياقها «أي سياق الحملة التحريضية» الادعاء السعودي بقصف الجيش اليمني والقوى المؤيدة له مطاراً سعودياً بصاروخ إيراني الصنع، حيث رأى محمد بن سلمان هذا الأمر بمنزلة إعلان حرب على السعودية.
– أيضاً، أراد بنو سعود من استقالة الحريري التحريض ضد المقاومة الوطنية اللبنانية بذريعة أنها «تتمرد» على الدولة اللبنانية وتصادر قرارها، وتخالف ما يسمى «بقرار النأي بالنفس» متناسين التضحيات التي قدمتها هذه المقاومة لتخليص لبنان من شرور وجرائم تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة» الإرهابيين وتسليمها المناطق التي استعادتها منهما للجيش اللبناني.
– أيضاً أراد بنو سعود من خلال استقالة الحريري التغطية على أزمة الحكم القائمة بينهم وتهيئة الأجواء لتولي محمد بن سلمان الحكم بدلاً من أبيه، وضمن هذا السياق، جاء ما أطلق عليه «الحملة ضد الفساد» وما نتج عنها من اعتقال عدد كبير من الأمراء الذين عارضوا تسمية محمد بن سلمان ولياً للعهد، ومن رجال الأعمال والوزراء الحاليين والسابقين بذريعة الفساد المالي، إذ إن اختلاق هذه الأزمة في لبنان قد يصرف الأنظار عما يدور في البيت السعودي من خلافات وتنافس على العرش.
إن كل ما ذكرناه، يؤكد أن آل سعود لن يكفوا عن قرع طبول الحرب في المنطقة لخدمة أغراضهم الخاصة، وذلك كله بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتنسيق مع «إسرائيل» حيث إن عدم استقرار المنطقة وإدامة الصراعات والحروب فيها، من شأنه أن يساعد على استمرار الهيمنة الأمريكية على ثروات المنطقة، ويحقق الأمن لـ«إسرائيل» التي لم يعد آل سعود يعدونها عدواً للأمة ومغتصباً لحقوق الشعب العربي الفلسطيني.

::طباعة::