يبدو أن أرقام السجلات الإنتاجية والتسويقية لمعمل تقطير السويداء تأخذ منحىً تنازلياً خلال السنوات الأربع الماضية، وأنه لم يسبق تدوينها على صفحات أوراقه المالية طوال فترة عمله التشغيلية التي ولدت صفعة استجرارية من رحم الأزمة العاصفة بالبلاد، عدا عن إحجام مزارعي الكرمة على ساحة المحافظة عن توريد منتجهم من العنب إلى أعتاب المعمل، ولاسيما بعد أن شرعت أمامهم العديد من الأبواب التسويقية لدى السوق المحلية بعد أن كانت فيما مضى مغلقة أمامهم بإحكام.
هدير آلاته لم يتوقف
طبعاً هذه الثغرة التسويقية التي أصابت جسم خزانات المعمل نتيجة تدني العنب المورد إلى المعمل، إضافة إلى تراجع تسويق المشروبات الروحية لدى السوق المحلية، كلها مجتمعة لم تستطع على الإطلاق أن تسكت هدير آلات المعمل وخطوط إنتاجه، فالمتتبع لواقع هذا المعمل سيلحظ أنه مازال ضمن الدائرة الإنتاجية، والأهم من ذلك، أنه استطاع وعلى الرغم من آلامه وأوجاعه التسويقية والإنتاجية أن يلملم أوراقه المالية ذات الأرقام التراجعية ويبدأ من جديد رحلة إنتاجية عسى أن تكون بداية خروجه من عنق الزجاجة.

تزوير المنتج أحدث شرخاً في العملية التسويقية
التزوير الذي أطل برأسه نداً منافساً لمنتجات المعمل ذي الدمغة الريانية منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، من الواضح أنه كان في حينها محشوراً في زاوية واحدة ومحدودة، لكنه الآن وبعد أن أصبحت الأبواب الرقابية في خبر كان بات ممتهنو عملية تزوير منتجات المعمل يعملون علناً وعلى رأس السطح، ما انعكس سلباً على واقع المعمل التسويقي، كيف لا ورقعة بيع المنتج المزوّر المشغول خارج المواصفات القياسية قد اتسعت، ومن هذا نستنتج أن التزوير الذي كان سراً في البداية وعلناً في النهاية لم يزل طريقه معبداً أمام هؤلاء الذين اتخذوا من الأزمة وغياب الرقابة التموينية والصناعية تأشيرة مرور خضراء نحو الأسواق المحلية، طبعاً المنتج المزور الذي اكتسح الأسواق بقوة كبيرة أحدث وبكل تأكيد شرخاً في العملية التسويقية لمعمل تقطير العنب.
مدير المعمل يسوغ
تراجع الخطة الإنتاجية للمعمل بشكل لافت عزاها مدير المعمل المهندس فادي شقير إلى أولاً عملية تزوير المنتج التي نمت وترعرعت على أيدي حفنة من الأشخاص الذين امتهنوا تصنيع مشروبات روحية مخالفة للمواصفات تحمل اسم (الريان)، مضيفاً: إن الانتشار الواسع لعملية تزوير منتجات معمل تقطير العنب يعود إلى قيام المعمل باستجرار عبوات زجاجية من القطاع الخاص، وهذه العبوات خالية من (دمغة) الريان، ما منح المزوّرين فرصة سهلة لحصولهم على هذه العبوات ومهرها بعبارة (الريان)، وتالياً تعبئتها بالمشروبات الروحية المخالفة للمواصفات القياسية ومن ثم طرحها في الأسواق المحلية، مشيراً إلى أنه قبل الأحداث كانت عمليات التزوير محدودة، وذلك بسبب تعاقد معمل التقطير مع معملي زجاج حلب ودمشق بغية إنتاج عبوات زجاجية ممهور عليها عبارة (الريان)، إذ كان يعتمد هؤلاء على العبوات الفارغة الموجودة لدى المطاعم.
والمسألة الثانية، التي لم يخفها شقير التي انعكست كذلك سلباً على تسويق منتجات المعمل هي قيام هؤلاء ببيع منتجهم ذي الجودة المتدنية بأسعار أقل من أسعار المعمل، لذلك –يضيف مدير المعمل- هذا الفلتان وعدم فرملة عمل هؤلاء المزوّرين عزز مكانتهم في السوق المحلية، وتالياً أدى إلى تراجع تسويق منتج المعمل، لافتاً إلى أن عمليات التزوير قد ازدادت أضعافاً مضاعفة عما كانت عليه قبل الأزمة، يعززها تقاعس الجهات الرقابية، ما أدى إلى انعدام الثقة بين المعمل والمستهلك.
إعادة الثقة تتطلب محاسبة ممتهني التزوير
فبعد أن بات المنتج المزوّر متجذراً داخل الأسواق المحلية والمحال التجارية وبأسعار منافسة، أصبح من الضروري -ولإعادة المياه إلى مجاريها، و(الريان) إلى مستهلكيه- أولاً ووفق مدير المعمل تجميد عمل هؤلاء ومحاسبتهم وطرح منتجات المعمل في السوق، والعمل على كشف هؤلاء أمام أصحاب المحال التجارية والموردين، واللافت في الموضوع هو في الوقت الذي كانت فيه الطرق الواصلة إلى معظم محافظات القطر مقطوعة بسبب الاعتداءات الإرهابية، لاحظنا أن أسواق هذه المحافظات كانت مملوءة بمنتج (الريان) مع العلم أن المعمل لم يقم بتوريد أي عبوة إلى هذه الأسواق، طبعاً وباعتبارنا لسنا جهات رقابية تمت مخاطبة كل الجهات المعنية بدءاً من وزارة الصناعة وانتهاءً بالتجارة الداخلية للعمل على معالجة هذه المشكلة الملازمة للمعمل والمؤثرة في عملية مبيعاته، وحتى الآن لم نلمس شيئاً على أرض الواقع، ما أبقى عمليات التزوير مستمرة على قدم وساق وعلى عينك يا تاجر.
بينما المسألة الثانية التي كانت بمنزلة الرديف المساعد لتراجع إنتاج المعمل وتدني مؤشراته التسويقية هي ارتفاع تكاليف الإنتاج، بدءاً من اليانسون وانتهاء بالكرتون، فتصوروا أن كيلوغرام اليانسون قبل الأزمة كان بـ225ل.س وحالياً يتم شراؤه بـ1400ل.س، عدا عن ذلك، والذي زاد الطين بلّة هو ارتفاع أجور النقل بشكل كبير، ما شكّل عبئاً مالياً على المعمل، فأجرة السيارة الواحدة إلى اللاذقية وصلت إلى 150 ألف ل.س، إضافة إلى ارتفاع أسعار العبوات الزجاجية والكرتون، إضافة إلى ارتفاع سعر العنب المراد استجراره.. وبجردة حسابية بسيطة نلحظ أن سعر كيلوغرام العنب المسوق إلى المعمل كان عام 2011 بـ/15/ل.س، أما حالياً فسعر الكيلوغرام /125/ل.س، كل ذلك مجتمعاً أرهق ميزانية المعمل ووضع العصي في عجلاته الإنتاجية والتسويقية.
القشّة التي قصمت ظهر البعير
«المعمعة الفوضوية» التي أحاطت بالمعمل بدءاً من تزوير المنتج وانتهاء بارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، فرملت العجلة التسويقية لدى المعمل، والتي أضيف إليها منافسة القطاع الخاص لمنتج المعمل والتي كانت –وفق مدير المعمل المهندس فادي شقير- بمنزلة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وعلى الرغم من هذا الواقع المملوء بالمنغصات والمطبات، فهدير آلاته وخطوط إنتاجه لم يهدأ، وليبقى المعمل صمام أمان المزارعين، ولاسيما في ظل ولادة الكثير من المستغلين والمبتزين المتاجرين بقوت هؤلاء المزارعين الذين يشترون المنتج منهم بأبخس الأثمان.
الفلاحون يحجمون
من الواضح تماماً أن التزوير وأخوته لم يكونوا الوحيدين في ميدان تقهقر المعمل إنتاجياً وتسويقياً، فها هو فلاحنا –وللأسف الشديد- قد انضم إلى هذه القائمة، ولكن على مبدأ المثل القائل (مرغم أخوك لا بطل) ولاسيما بعد أن بدأ عدد من المزارعين، ولاسيما في السنوات الأخيرة يحجمون عن تسويق منتجهم من العنب إلى أبواب المعمل، طبعاً هذا الإحجام مردّه –وفق ما ذكره لنا عدد من رؤساء الجمعيات الفلاحية المنتجة لمادة العنب- إلى، أولاً عدم توافر السيولة المالية النقدية لدى المعمل، ما دفع بالمزارعين، ولاسيما ممن قام منهم بتوريد منتجه إلى المعمل الانتظار أشهراً للحصول على مستحقاته من أثمان العنب، والمسألة الثانية هي تراجع إنتاج المحافظة من العنب بسبب إحجام الفلاحين عن الاهتمام بأشجار الكرمة نتيجة ارتفاع أجور الفلاحة والتقليم والمبيدات الحشرية وأجور النقل، إضافة إلى زيادة الطلب على مادة العنب لدى السوق المحلية، ما دفع بالمزارعين لتسويق منتجهم ضمنها وبأسعار تفوق بكثير أسعار المعمل، فمثلاً سعر كغ العنب لدى السوق المحلية وصل إلى 250 ل.س، بينما لدى المعمل لم يتجاوز الـ/125/ل.س.
إدارة المعمل تفنّد
تربعه على العرش الإنتاجي والتسويقي خلال سنوات ما قبل الأزمة، وترجله عن هذا العرش عنوة ما بعد الأزمة دفع بالمؤسسة العامة للصناعات الغذائية لطرح العديد من التساؤلات الاستفسارية عن السر الكامن وراء تراجع خطة المعمل الإنتاجية، وذلك ضمن كتابها المؤرخ بـ20/11/2017، ليأتي رد إدارة المعمل على هذه التساؤلات سريعاً وذلك في تاريخ 26/11/2017، إذ تضمّن الكتاب أن انخفاض مبيعات المعمل مرده إلى الارتفاع اللامسبوق في تكاليف الإنتاج، وذلك من جراء ارتفاع المستلزمات الداخلة في إنتاج المشروبات الروحية ما أدى إلى ارتفاع أسعار مبيع المنتج بشكل بات غير مقدور عليه من قبل مستهلكي هذه المادة، إضافة إلى ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين، ليضيف معدّ الكتاب أن السبب الثاني يكمن في ارتفاع أجور النقل من أرض الشركة إلى محافظات القطر، ما أدى إلى تراجع استجرار منتجات الشركة من قبل الموزعين، فضلاً عن عدم استقرار الحالة الأمنية على بعض الطرق خلال عملية نقل المادة، والمسألة المهمة التي جاء بها كتاب الشركة هي خروج الكثير من الأسواق المحلية من دائرة النشاط التجاري بسبب الأزمة التي تمر فيها البلاد، إضافة إلى ما ذكر، وهنا يكمن بيت القصيد، منافسة القطاع الخاص لمنتجاتنا، ولاسيما فيما يخص السعر فقط نتيجة استخدام هؤلاء المنتجين لمادة العرق كحولاً منخفض السعر، هذا عدا عن تهربهم من الضرائب، ولاسيما ضريبة الانفاق الاستهلاكي، فضلاً عن ذلك وجود كميات كبيرة من المنتجات المزورة تحمل شارة (الريان) لدى السوق المحلية، لذلك، وللخروج من هذا الواقع المفروض على المعمل اقترحت إدارة المعمل: أولاً دعم منتجي مادة العنب من قبل الحكومة لتخفيف ما تدفعه الشركة من قيمة هذه المادة والتي تؤدي إلى ارتفاع التكاليف ولتشجيع المزارعين على توريد منتجهم من الكرمة إلى الشركة، إضافة للعمل على مكافحة الغش والتزوير المنتشر بشكل واسع لدى الأسواق المحلية، والعمل على فرض ضريبة الإنفاق الاستهلاكي على منتجي مادة العرق، وذلك بما يتناسب والدرجة الكحولية ومراقبة هذا المنتج للحد من التهرب الضريبي، وذلك بغية مساواة أسعارنا مع أسعار القطاع الخاص، عدا عن ذلك ووفق الكتاب وباعتبار أن مادة العرق حسب المواصفات السورية يجب إنتاجها من كحول الطب حصراً، لذلك اقترحت إدارة المعمل أن تكون منشآت القطاع الخاص، ولاسيما المنتج منها لمادة العرق مراقبة من قبل الجهات المعنية، وذلك من خلال إلزامها باستخدام العنب، إضافة لوجوب تناسب كميات العرق المنتجة لديها مع كميات العنب المسلمة وأي زيادة في إنتاج العرق تكون عن طريق استخدام كحول من غير العنب، إضافة لذلك، وللحد من هذا الفلتان الطلب من الجهات المعنية تفعيل الدوريات الجمركية والتموينية، ولاسيما على الطرق العامة، وذلك من خلال قيامهم الطلب من سائقي السيارت المحملة بمادة العرق فواتير نظامية وممهورة بخاتم الشركة، ولاسيما عند نقل كمية تزيد على عشرة صناديق.
خط تصنيع الخل في خبر كان
باعتبار محافظة السويداء من المحافظات المنتجة لمادة التفاح والعنب معاً فقد لاح في الأفق، ولاسيما بعد أن وصل إنتاج المحافظة من التفاح الموسم الماضي إلى /80/ ألف طن اقتراحاً كتب خطياً، ولكنه نُيّم عملياً، ألا وهو إحداث خط لإنتاج خل التفاح وآخر لإنتاج الدبس، مضافاً إليهما خط لمعالجة التفل، لكنه -وفق مدير المعمل وبعد أن تم إعداد الدراسات اللازمة الممهدة لإحداث هذه الخطوط جرت الرياح بما لا تشتهي إدارة المعمل، ولاسيما بعد أن تم رفض هذا المقترح، وليطوى هذا المقترح، مع العلم أن إحداث خط لإنتاج خل التفاح سيحقق قفزة نوعية للمعمل، ولاسيما من جهة الإنتاج والتسويق.
لغة الأرقام
المتصفح لسجل المعمل الاستجراري منذ عام 2011 وحتى هذا العام سيلحظ أن هناك تراجعاً ملحوظاً في كميات العنب المسوقة، فمثلاً بلغت الكميات المسوقة في موسم 2011 /11/ ألف طن، بينما في عام 2012 وصلت الكميات المستجرة إلى /10/ آلاف طن، ولترتفع عام 2013 مرة ثانية إلى /11/ ألف طن ولتهبط بورصة الاستجرار عام 2014 إلى 2880 طناً. لغة الهبوط يبدو أنها لم تفارق المعمل بعد موسم 2014، ولاسيما بعد أن سجلت أوراقه التسويقية موسم 2015 /2200/ طن وليتراجع التسويق في موسم 2016 إلى /1600/ طن، أما الموسم الحالي فقد سجل خطه البياني لغة تصاعدية، فقد بلغت الكميات المسوقة /3700/ طن. علماً أن طاقة المعمل الاستيعابية /12/ ألف طن، وهذه الطاقة –وبحسب مدير المعمل- لم يتم التخلي عنها خلال فترة الأزمة، فالمعمل وعلى الرغم من العثرات والمطبات كان دائماً مستعداً لاستجرار كل ما يعرض عليه من كميات.
وبالعودة إلى ما أنتجه المعمل هذا الموسم من العرق والنبيذ، ووفق مديره نلحظ أن خطة المعمل لهذا الموسم كانت إنتاج 1810م3 من العرق و150م3 من النبيذ، بينما أنتج المعمل فعلياً وحتى الشهر العاشر من هذا العام 528م3 من العرق و15م3 من النبيذ، لتبلغ مبيعاته 572م3 من العرق و15م3 من النبيذ، إضافة لبيع 251م3 من الكحول الطبي للمشافي، حيث بلغت قيمة مبيعاته المالية حوالي 940 مليون ل.س حتى الشهر العاشر، وبزيادة مقدارها 200 مليون عن مبيعات المعمل الموسم الماضي لمثل هذه الفترة من السنة.
كما لم يخفِ علينا مدير المعمل ما يعانيه المعمل من نقص في اليد العاملة ولكل الفئات، ما انعكس سلباً على واقع العمل، إضافة إلى ذلك تسرب الخبرات الفنية بسبب تقاعد معظم العمال، ولاسيما ممن لديهم خبرات، وعدم رفد المعمل بخبرات جديدة، مشيراً إلى أنه تم حالياً إجراء اختبار لتعيين عدد من العمال لدى المعمل، فضلاً عن ذلك فمعظم العمال هم من قرى بعيدة، وهؤلاء محرومون من وسائل نقل تؤمّنهم ذهاباً وإياباً، ما يضطرهم للقدوم إلى العمل على نفقتهم الخاصة، ما انعكس سلباً على واقعهم المادي، عدا عن ذلك يعاني المعمل من قدم آلاته.
كلمة أخيرة
ما عصف ويعصف بالمعمل من عثرات يبدو أنها خارجة عن إرادته، ومع ذلك لم تنل من آلاته وخطوط إنتاجه وحتى إدارته، فالمتتبع لواقعه سيلحظ أنه كان ومازال صمام أمان المزارعين لكونه لم يخذلهم خلال السنوات الماضية، ولاسيما فيما يخص التسويق رغم منغصاته المالية، وحالياً وبكل صراحة، بدأ المعمل يستعيد عافيته الإنتاجية ولاسيما بعد أن ارتفعت نسبة الاستجرار عن الموسم السابق.

::طباعة::