تعاني منطقتنا العربية التباساً قائماً في التداخل بين دلالتي الأمة الإسلامية، والأمة العربية، وهو تداخل ناشئ عن محورية الانتماء الذي يعيشه المرء، قبل بقية الاعتبارات ذات الطابع النظري. وثمّة حشد من المفردات ذات الصبغة الاصطلاحية التي تطفو على سطح التعاطي العام العريض مع الشأن السياسي في عالمنا المعاصر، وخصوصاً أبعاضه العربية التي يعاني شبابها أقساطاً عظيمة من قلق الانتماء والتباس الهوية، وما يقع في هذا السياق، ومن هذه المفردات، الأمة، والدولة، والقومية، والعرق، والنظام، وغير ذلك كثير مما يلتبس جميعه بجميعه، ولا أحسب أني ذاهب إلى ما يُسمّى (وضع الأمور في نصابها) من ناحية السعي الضروري المتروك على كاهل الشأن المدرسي، وكتب الموسوعات، فما يهمّ هذا المبحث هو الموازنة بين تعبيري (الأمّة العربية، والأمّة الإسلامية) والتعبيران صحيحان إذا اقتصر التعاطي مع مفردة الأمة على دلالتها اللغوية التي تعني في لسان العرب (الشرعة والدين) بالتوازي مع ذهاب بعض المشتغلين بالدلالة العميقة للغة إلى أن الأمّة متّصلة مباشرة بفكرة الأمّ بوصفها والدة جامعة، والأمة وفق المصطلح السياسي الوارد في (الموسوعة السياسية) «مجموعة بشرية تكوّن تآلفها وتجانسها القومي عبر مراحل تاريخية تحققت خلالها لغة مشتركة، وتاريخ مشترك، وتراث ثقافي ومعنوي، وتكوين نفسي مشترك، والعيش على أرض واحدة، ومصالح اقتصادية مشتركة، ما يؤدّي إلى إحساس بشخصية قومية، وتطلعات، ومصالح قومية موحدة ومستقلة»، فالمشترك الذي يجمع عدداً كبيراً من البشر إلى أصله ومظلّته يمكن أن يكون عربياً، ويمكن أن يكون إسلامياً، ويمكن أن يكون عشائرياً، بحسب الانتماء المحوري الذي يختاره المرء لنفسه مستقطباً إليه بقية الانتماءات الأقلّ محوريّة، كما أسلفنا.
وفي تحرّي الالتباس القائم بين مفهومي الأمّة الإسلامية والأمة العربية ينظر المنتمون إسلامياً إلى مفهوم الأمة العربية بوصفه تضييقاً للمفهوم الإسلامي الأوسع والأرحب بحسب وجهة نظرهم. وفي المزيد من التحرّي، واختبار صلاحية هذا المفهوم الموسوم بأنه الأوسع والأرحب يرسب المفهوم باتجاه التلاشي لدى أبسط اختباراته في عالم اليوم، فالمشترك الثقافي بين المسلمين في بلدان متباعدة كأندونيسيا الدولة الإسلامية الأكبر من الناحية السكانية في العالم، وبنغلاديش، وأوزبكستان، واليمن، ومالي (مثلاً) مشترك قائم في درجة الصفر، بمعنى أنه مشترك غير موجود. وما يصحّ على المشترك الثقافي المعجون بالسيرورة التاريخية يصحّ على الجغرافيا، ويصحّ أيضاً على العنصر الأهمّ في تكوين الأمّة وهو التطلّع المشترك إلى مستقبل مشترك.
كان المشترك الإسلامي في الدول القديمة ضرورة لقيام الدول ذات الصفة الإمبراطورية التي كانت تضمّ عدداً كبيراً من الأعراق، والثقافات، وأبناء الأديان الأخرى، ولكنها كانت تتمتّع بالمشترك الجغرافي في مثالي الدولتين الأموية والعباسية، خلافاً لحالة الإمبراطورية البريطانية التي بلغت اتّساعاً (لم تكن تغيب عنه الشمس) والتي كان الخاضعون لسلطان تلك الإمبراطورية يرفضون انخراطهم ضمن مفهوم الأمّة الواحدة، ولم تتوجّه السلطات البريطانية إلى حشر أبناء مستعمراتها تحت هذا المفهوم. كانت الإمبراطورية البريطانية تضمّ معظم العدد الأكبر من مسلمي العالم، على سبيل المثال.
التباس الانتماء العربي بالانتماء الإسلامي زعزع مفهوم الأمّة في مسارها التاريخي الملتبس بتواريخ الأمم الأخرى ذات الفخر الصريح أو الشديد بانتماءاتها ما قبل الإسلامية كالفرس على سبيل المثال، والمتلبس أيضاً بالانقسامات العشائرية في الأساس العربي الذي كان قائماً قبل الإسلام الذي نظر متعصّبوه إلى الحقبة العربية التي سبقت ظهور الإسلام بوصفها حقبة مريرة سوداء. ونظر أولئك المتعصّبون أيضاً إلى شخصيّاتها على أنها مجرّد شخصيات كافرة، ضاربين بذلك التكفير واحداً من أهم المفاهيم الرحبة التي كانت تنطوي عليها نظرة الرسول(ص) إلى حركة التاريخ في حديثه المعروف: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام» بمعنى أن الأخلاقيين العرب الكبار الذين اعتنقوا الإسلام في زمن النبوّة كانوا في الأصل أخلاقيين كباراً في الجاهلية، وهذا يسهم جميعه في تبيان مخاطر التكفير الرامي، في جملة ما يرمي إليه، إلى تكفير التاريخ.

طباعة