مذ كنا صغاراً تعلمنا أن النظافة من الإيمان، والحرص الأكبر كان من معلمينا فدفعنا إضافة لأهالينا إلى الحفاظ على نظافة صفوفنا الدراسية، وباحة المدرسة بشكل دائم ومستمر، لدرجة أن ذلك أصبح هوساً لدينا كما يقولون «سوسة نشأت معنا» وكرّسناها في حياتنا على المستويات جميعها، حيث أصبح بعضنا يشير إلى ذلك بالقول: «هذا موسوس بالنظافة» ولأن هذه الحالة هي عادة يحملها المرء معه منذ الصغر، فإن مانراه اليوم من تلوث بأشكال متعددة، بدءاً من التلوث الهوائي ومروراً بالتلوث المائي والبصري، وغيره من أشكال التلوث تٌظهر أن الإنسان هو الفاعل الحقيقي لذلك، رغم انتشار ما يسمى جمعيات حماية البيئة.
مناسبة الحديث عن ذلك ما تقوم به سنوياً محافظة دمشق من إعادة تأهيل مجرى نهر بردى الذي تغنى به الشعراء والفنانون، وهي خطوة مهمة، لكن حاله وما نفعله به كبشر في فترات معينة يشعرنا بالأسى لمنظر النهر الذي تشوهه كل أنواع الملوثات، وسؤالنا: لو لم يرمِ بعضنا هذه الملوثات هل كنا بحاجة باستمرار لتلك الإجراءات التي تكلف أموالاً يمكن أن تصرف في أماكن أخرى؟
باعتقادي أنها ثقافة الإيمان بالنظافة، فمن يرمي في الشارع أعقاب السجائر، ومن يرمي أي ورقة أو أي شيء آخر لا يملك تلك الثقافة التي تجعله صديقاً للبيئة ومحافظاً عليها، أو أي إحساس بالمسؤولية تجاه وطنه بالدرجة الأولى والبيئة بالدرجة الثانية، وارجعوا قليلاً إلى تظاهرة معرض دمشق الدولي في العام المنصرم التي شوّهت حدائقه نسبة ليست قليلة من الزوار الذين رموا كل ما يملكون من أوساخ في تلك المروج الخضراء على الرغم من المحاولات اليومية للقيام بالنظافة.
وتذكروا ما يمكن أن يصيبنا من جراء تدهور البيئة من أمراض مختلفة ومشكلات بيئية عديدة في ظل الجهل القائم عند الذين يقومون بهذه التصرفات المسيئة.
صحيح أن بعض المنظمات الشعبية كالشبيبة والطلبة وبعض النقابات المهنية حاولت في بعض الأوقات أن تجتهد في مسألة النظافة وفي النواحي الجمالية للمدن المختلفة في الوطن، لكن هذا الشيء سيبقى قاصراً إذا لم ننطلق من الوعي الذاتي الذي ينبغي أن تمارسه كل أسرة تجاه أفرادها والمجتمع والهيئات المختلفة والمنظمات الشعبية والنقابات المتعددة في تحريك الوعي نحو هذه المسائل مجتمعة، فهل نفعل ذلك ونضع البرامج لتحقيقها؟

طباعة