لماذا يسود اعتقاد بين الناس أن معظم المديرين العامين لا يصلون إلى مناصبهم بناء على كفاءة أو خبرة؟ وإلى أي حدّ يبدو هذا الكلام حقيقياً في الواقع؟ هل استطاعت المؤسسات المختلفة وضع أسس ومعايير صحيحة لاختيار المديرين العامين؟ وقبل ذلك، هل هناك طرق أو أساليب لتقويم أداء المديرين العامين حين يتبين أنهم غير قادرين على إنجاز المهمة؟ من هي الجهة التي يمكن أن تحاسب، وإلى أي حد تنجح في ذلك إذا كانت غالباً هي الجهة التي تعيّن؟ ولماذا يتم اعتماد المحسوبية شرطاً أساسياً للتعيين في كثير من الأحيان؟ وتبقى الخبرة والكفاءة أمراً ثانوياً.
إذاً، بعد مضي ستة أشهر على إطلاق مشروع الإصلاح الإداري، الذي مازالت إنجازاته تتراوح بين عقد الاجتماعات وورشات العمل ليبقى تنفيذه على أرض الواقع حبراً على ورق.
في الوقت الذي عليه أن يقوّم عمل المؤسسات من خلال اختيار أشخاص وقيادات إدارية من ذوي الخبرة والكفاءة والنزاهة عبر ما يسمى بالتدرج الوظيفي، ولكن في المشهد العام نجد أن أشخاصاً بحقهم تقارير تفتيشية، والعديد من إشارات الاستفهام حولهم مازالوا يتولّون زمام الأمور في مؤسساتهم ويمارسون عملهم في العلن، ما يولّد حالة من النقمة والإحباط عند عامة العاملين الذين لولاهم لما كان أصلاً وجود لهؤلاء..
بالتأكيد يعد المشروع خطوة نحو إصلاح الإدارات العامة، لكن في الوقت الذي نرى «الواسطة» والمحسوبية هي من تعيّن هذا أو ذاك، لم يعد مدهشاً أن نشاهد رئيس بلدية طبيب قلبية، أو مدير نقل يحمل شهادة اللغة العربية، وتالياً الطبقة العاملة ليس لها من أمرها إلا القبول.
قي هذا الملف نطرح أسئلة عديدة على أصحاب الشأن: هل الإنسان المناسب هو فعلاً في المكان المناسب، وهذا شعار المرحلة الحالية؟ وما هي معايير الإداري الناجح؟
وماذا يقول الخبراء الإداريون؟ ومَنْ الذي يعيّن هذا المدير أو ذاك؟ لماذا أصبحت لمجرد سماعك باسم المدير الفلاني تعرف من يقف وراءه؟ ما هو الحل ونحن مقبلون على مرحلة نحن أحوج فيها إلى معايير الكفاءة والنزاهة وتفعيل مبدأ الحساب والعقاب؟
غياب معايير الكفاءة
القاسم المشترك لكل من حاولنا استشفاف وجهة نظرهم في موضوع اختيار المديرين العامين هو غياب شبه كامل للمعايير والكفاءة والشخصية القيادية، لتبقى المحسوبيات و«الواسطات» هي المحدد لشاغلي القيادات الإدارية.
يونس الناصر (موظف) تحدث من وجهة نظره الخاصة وخبرته، وهو على يقين أن لا صدى لما نكتبه، ولكن على الأقل (فشة خلق) قال: بصراحة يوجد غياب شبه كامل للمعايير والكفاءة والشخصية القيادية في اختيار المديرين العامين الذين تحدّث عنهم السيد الرئيس في إطلاقه مشروع الإصلاح الإداري عندما قال: «في كل المؤسسات هناك موظفون جيدون لماذا لا نراهم؟ وأجاب على هذا السؤال بالقول: هناك عدة أسباب منها عدم تكافؤ الفرص في الارتقاء على السلم الوظيفي، إضافة إلى المحسوبيات»… يؤكد يونس، من هنا تبدأ المشكلة في رأيي، فالمكلف بالوظيفة الإدارية سيلتزم بتمرير ما يريده من أتى به لهذا الموقع، وليس للمصلحة العامة، وسيتبع السلوك ذاته الذي أوصله لمرتبته الوظيفية، وسوف يمارس الاستبداد الإداري بتقريب من يوافق طموحه ويرضي غروره لا لشيء سوى أنه لا يريد من أحد أن يقول لا ويحاول أن يظهر أنه أكثر ذكاء ومعرفة منه، وتالياً سيكون حوله فريق من المنافقين «يسبّحون بحمده» ويشكرون عطاياه.
يستنكر يونس الحائز عدداً من الشهادات العلمية والتدريبية عدم وجود معايير إدارية للارتقاء الوظيفي، وإنْ وجدت في الأنظمة الداخلية، فهي فضفاضة وهشة يتم تجاوزها، والسبب -حسب معرفته- يعود إلى تكليف الأشخاص القيّمين على الإدارة بوضع الأنظمة الداخلية للمؤسسات، فيضع كل منهم شروط شغل الوظيفة العامة بما يناسبه للاستمرار في هذا المنصب، من خلال إيجاد نظام داخلي مركزي يعدّه خبراء في الإدارة يعاونهم فريق فني من الجهات العامة التي لها طبيعة عمل خاصة ربما تختلف عن سواها، حيث يتم تكييف النظام الداخلي بما يوافق ظروف هذه الجهة أو تلك، كل ذلك بالتأكيد سيؤدي إلى أن يكون الرجل المناسب في المكان غير المناسب، مشيراً إلى نقطة مهمة وهي البطاقة الذاتية للعامل وضرورة تدوين حياة العامل الوظيفية عليها، وهو ما يتم تجاهله حالياً، فكثيراً ما نجد مديراً عاماً ينهي حياته الوظيفية ومازالت بطاقته الوظيفية مدوناً عليها أساس تعيينه هي معاون رئيس شعبة، مؤكداً أهمية وجود البطاقة في الإدارة، مستشهداً بشركة (تويوتا) العالمية، فعندما احتاجت مديراً عاماً تمت مراجعة البطاقات الذاتية للعاملين في الشركة وتكليف الشخص المناسب.
تغيير طرابيش!
تقول سهام (موظفة) ماجستير لغة إنكليزية: على مدى عشرين عاماً من الوظيفة الحكومية تعلّمت ألا أستبشر خيراً بأحد، لأني عاصرت تغيير عدد من المديرين، لأكتشف بعدها أنه مجرد تغيير طرابيش، كل واحد منهم يتبع السياسة التي يتبعها المدير السابق بقليل من الاختلاف، أول شيء تحيط به (ثلة) من المقرّبين و(ماسحي الجوخ) وهم بالدرجة الأولى وظيفتهم في المؤسسة لم تتعد توصيل الرسائل لكل من تفوه بكلمة، أما المهمات والسفر فبالتأكيد لن يكون له حظوة من لا يتبع تلك السياسة، فتكون من نصيب أحد ما من الثلّة والمنتفعين، وتبقى علامات القدم وسنوات الخبرة واللغة والكفاءة على الهامش أو حبراً على ورق.
أهل مكة أدرى بشعابها!
حاولنا أن نستطلع آراء أكثر من جهة لمعرفة وجهة نظرهم في اختيار المديرين لكونهم من أصحاب التجارب والخبرات، ومنهم من أمضى عشرين عاماً مديراً قبل أن يصل لمرتبة وزير أو حتى معاون وزير..
يرى وزير الأشغال العامة حسين عرنوس أن أهم المعايير التي يفترض أن يتمتع بها المدير العام، أن يكون من داخل المؤسسة ومع التخصص، لأنه لا يمكن أن ينجح وهو من خارجها حتى لو كان فلتة (زمانو)، إضافة إلى شرط الخبرة التي لا تقل عن عشرين عاماً لكي يكون على دراية تامة بتفاصيل التفاصيل في المؤسسة التي يعمل فيها.
يقول عرنوس: قبل الدمج كان عدد المديرين أربعين مديراً ثم انخفض إلى عشرين مديراً بعد الدمج، وحتى تعطي الإدارة نتائج جيدة تحتاج إلى سنوات من الاستقرار، مشيراً إلى تجربته التي تمتد إلى عقود في الإدارة وتدرج في المناصب بدءاً من منصب مدير فرع إلى أن أصبح في منصبه الحالي وزيراً، وعلى مدى هذه السنوات لم يذكر أن أحرجه أحد بسؤال ما عن حيثيات أي مشروع، لافتاً إلى أنه على أي مدير من المديرين التابعين للوزارة (أن يعد للعشرة عندما يتكلم أمامه عن مشروع ما!) في إشارة منه إلى عدم التهاون في العمل، وعلى كل منهم أن يعرف تفاصيل عمله، مؤكداً أهمية التدرّج الوظيفي، وتهيئة معاونين للمدير العام على مستوى عالٍ من الكفاءة لأن الضرورة تتطلب ذلك.
من داخل المؤسسة
يوافقه في الرأي معاون وزير النقل عمار كمال الدين في أن يكون المدير العام من داخل المؤسسة وفق مبدأ (أهل مكة أدرى بشعابها)، وأن يتمتع بخبرة عشرين عاماً حتى يكون ملماً بتفاصيل عمل المؤسسة، واشترط أن تكون شخصية المدير قيادية، لأن الشخصية الضعيفة تعرقل العمل، والأهم الاختصاص وتطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب… ويرى أن أغلبية مؤسساتنا ينقصها هذا المبدأ ففي إحدى السنوات، كان مدير مديرية النقل يحمل شهادة اللغة العربية، كما شغلها (جيولوجي) في محافظة حمص، علماً أنه يجب أن يكون مهندساً حتى يعرف على الأقل كيف يتم فحص السيارات!؟
وفق التراتبية
يتساءل: لماذا الأداء دائماً ناجح في مؤسسات الجيش على عكس الأداء في المؤسسات العامة؟ ببساطة، لأن مؤسسة الجيش تعمل وفق مبدأ التراتبية الوظيفية وبالترفع الإداري، وتالياً لا يمكن أن يترأس الملازم رتبة أعلى منه مهما كانت «واسطته»، وهذا هو أحد أسباب انحدار الإدارة في المؤسسات المدنية، مبيناً أنه في حال أرادت المؤسسة العامة النجاح يجب أن تقتدي بإدارات الجيش، متسائلاً: أيعقل أن يأتي شاب عمره من عشرين عاماً إلى خمسة وعشرين ويستلم زمام أمور مؤسسة ما؟ بالتأكيد لن ينجح حتى لو كان حاصلاً على المرتبة الأولى في جامعته؟
وتحدث معاون وزير النقل عن نقطة مهمة جداً هي قانون العاملين الأساسي المعمول به حالياً، ففي السابق كانت سورية تعمل بنظام الاستخدام حتى عام 1947 و كان يسمى العامل آنذاك موظفاً والأجر مرتّباً، إلى أن أتى قانون العاملين الأساسي الذي يسمح بتعيين أيّاً كان تحت عبارة «يعهد إلى فلان مهمة كذا»، وبهذا لا يخالف القانون أبداً لأنه أجاز لمن تتوافر فيه الشروط أن يدير المؤسسة.
لماذا يغيب مبدأ المحاسبة؟
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يغيب مبدأ المحاسبة عن مؤسساتنا؟ فكثيراً ما نسمع عن مدير ثبت تورّطه في ملف ما، ومن ثم ينهى عمله، وإما أن يستلم منصباً أرقى أو أن يذهب إلى بيته، وكأنه مُنح صك براءة.
يؤكد كمال الدين أنه خلال توليه للإدارة تم تحويل العديد من الحالات للقضاء منهم عشرة مديرين وتمت محاسبتهم واسترداد أموال منهم وصرف البعض من الخدمة، إضافة إلى زج اثنين من المديرين المركزيين في السجن في عام 2013 بسبب هدر وتلاعب بالمال العام…
وعن طريقته في مساءلة أي حالة يقول: حسب الخطأ المرتكب، ففي البداية ممكن أن أنبّه الفاعل، علماً أني ضد طلب الجهاز المركزي أو الهيئة العامة للرقابة والتفتيش، لأنه غالباً ما يكون قرار التفتيش غير قطعي، أما القضاء فيمكن أن يقدم المتهم بالدفوع، وتالياً توجد إجراءات تابعة لذلك.. أنا مع تحويل المتهم إلى النيابة العامة وتحريك دعوى ضده، معتبراً أن هذا الموضوع سلاح ذو حدين، وتبقى الهيئة أرحم، أي ممكن أن تكتفي بمعاقبته بنسبة 5%.
لا يهم الاختصاص
تخالف المهندسة إيمان مقدم- مدير عام سابق للمؤسسة العامة للصناعات الهندسية بعض الآراء التي تؤكد على الاختصاص، إذ ترى أنه لا يهم الاختصاص بقدر ما يهم حب العمل والانتماء للمنشأة، إضافة إلى الحدّ الأدنى من الشهادة الجامعية، لأن الخبرة هي الأهم وعن تجربتها تقول: اشتغلت في مختلف الإدارات في وزارة الصناعة، وتدرّجت ببطء شديد بدءاً من رئيس شعبة إلى مرتبة مدير عام، وهذا ما يساعد على تكوين معارف وتراكم خبرات حتى صقلت تجربتي بشكل جيد إلى حدّ أنه لا يمكن أن يمر كتاب أو تقرير من دون معرفة حيثياته.
مزاجية في التعيين
عن آلية التعيين تأسف م.مقدم لأنه مازال على أساس المزاجية، وتقترح في حال اختيار مدير ما من المجدي أن يختبر الوزير المدير القادم عبر مقابلة تتضمن خطة العمل، ليسأل فيما بعد عما قدم ونفذ،على سبيل المثال إعلان مشروع ما يجب أن يعطي ثماره بعد سنتين، وتالياً يخضع للتقييم، وفي ذلك ربما نحد من تدخل المحسوبيات و«الواسطات».
الأرقام مؤشر الأداء
كررت مراراً عبارة لدينا الأرقام هي مؤشرات تتحدث عن مستوى أدائي خلال فترة قصيرة لا تتعدى السنة ونصف السنة، مثلاً مؤسسة الصناعات الهندسية تتبع لها إحدى عشرة شركة، منها معمل الحديد في حماة الذي أقلع في عام 2016، وحالياً ينتج، إضافة إلى إقلاع معمل بردى، كما تمكّنت المؤسسة خلال وجودي مديراً عاماً، من الإعلان عن ثلاثة مشروعات جديدة، ومن خلال المتابعة يتم الاقتراح لتعديل ما أو تغيير مدير من هنا أو تدريب لمن هو بحاجة إليه.
الفاسد بمنأى عن الحساب
تؤكد على مبدأ المحاسبة والثواب والعقاب ولكنه لا يحقق العدالة، للأسف، لأن الشخص الجيد لم يمنح الثواب والشكر، وتالياً يصبح بمستوى الفاسد، لافتة إلى وجود مديرين أكْفاء استبعدوا، بينما الفاسد في أغلبية الأحيان بمنأى عن الحساب، لذلك المطلوب محاسبته لأن هذا جزء من الإصلاح الإداري، فكثيراً ما نرى ترهلاً إدارياً هنا أو خللاً ما هناك فوّت أرباحاً أو منفعة عامة. وبموازاة ذلك لا نرى تكريماً للمدير الجيد والناجح، بل لم نرها أبداً.
التدرج الوظيفي
المهندس ماهر مللي- مدير عام مشفى الجلدية الجامعي يؤمن بالتدرج الوظيفي، والاختصاص ليس ضرورياً، بقدر ما يهم أن يكون متمتعاً بالخبرة والمرونة وحب العمل، وقبل كل شيء أن يكون من داخل المؤسسة وعلى دراية بتفاصيل وسلبيات العمل، والنجاح عمل جماعي من خلال نجاح طاقم العمل… وفي ردّه عن دوره وخبرته في حال توقيع عقد على سبيل المثال لتوريد تجهيزات طبية لكون اختصاصه يناقض المؤسسة العامل فيها أكد أنه يتم تشكيل لجنة مؤلفة من عدد من الأطباء ومهندسين لتدقيق الدفاتر ومن ثم ترتفع لآمر الصرف.
ليس بالضرورة
أحد المديرين العامين الحاليين فضّل عدم ذكر اسمه يقول: إنّ من يعيّن المدير العام هو رئيس مجلس الوزراء وليس بالضرورة أن يكون باقتراح الوزير المختص، لافتاً إلى أن المؤسسات الاستراتيجية مثل – النفط – الحبوب – التبغ يتم تعيين مديريها بمرسوم جمهوري، مشيراً إلى أن أسماء المديرين المرشحين لأي مؤسسة حتى لو لم تكن استراتيجية تناقش في اجتماع القيادة الذي يعقد بشكل دوري.
ويؤكد أن التدرج الوظيفي أهم أسباب نجاح أي مؤسسة، ومن يكون ضمن القطاع الذي يعمل فيه يصلح أن يكون مديراً عاماً لأن القطاع عمل متكامل، ويكون المدير العام أقرب لواقع عمل القطاع وقراراته، وتكون القرارات أفضل وصائبة أكثر من المدير الذي يأتي من خارج القطاع، إذ إن كل الوزارات تعمل ضمن قطاعات، مثلاً الأعلاف – إكثار البذار– المطاحن تعدّ ضمن قطاع واحد رغم تبعية كل مؤسسة لوزارة مختلفة، فهناك تشابكات ضمن الوزارات.
لا يصلح أيّ مدير لأيّ مؤسسة
ومن وجهة نظره أنه لا يوجد شخص يصلح أن يكون مديراً عاماً لأي مؤسسة مهما كانت- حتى لو تم تعيينه عن طريق المحسوبية، لأنه يجب أن تتوافر فيه الشروط اللازمة مثل الكفاءة – الخبرة، والنزاهة، على سبيل المثال إذا تم اختيار عشرة أشخاص توافرت فيهم كل الشروط اللازمة، وتم اختيار واحد من هؤلاء سوف يحقق نجاحاً في عمله حتى لو كان على أساس المحسوبيات، المهم توافر الشروط المطلوبة، أما إذا كان من خارج هؤلاء فسوف يهدم المؤسسة ونهايته الفشل والهزيمة.
تقييم المدير من الأرباح
معاون وزير الكهرباء الدكتور حيان سلمان يقول: إن تقييم المدير العام من خلال الأرباح والربحية للمؤسسة، ولأن سورية تمرّ في ظرف غير عادي، لذلك تحتاج إلى إجراءات غير عادية، منها العمل لتضخيم المنفعة الاقتصادية التي يمكن التعبير عنها بلغة الأرقام بمعنى أن كل ليرة سورية مستثمرة يجب أن تعطي أكثر من ليرة، وكلما زاد المردود الاقتصادي فهذا يؤشر إلى نجاح هذا العمل، لذلك، يجب البدء بتحويل سورية إلى مشروع اقتصادي يتم إخضاعه لدراسة الجدوى الاقتصادية، أي أنّ أرباح أي مؤسسة هي مؤشر إلى نجاح مديرها.
إجراءات «فزلكية»!
لا يؤمن د.سلمان بشرط أن يكون المدير العام من داخل المؤسسة، المهم أن من يأخذ أي إدارة يجب أن يعطيها قوة وفعالية، وفي حال حقق ذلك فإنه يعدّ شخصاً ناجحاً حتى لو كان من خارج المؤسسة، مخالفاً من يرى ضرورة تعيين المدير العام من داخل المؤسسة، واصفاً ذلك بـ(إجراءات فزلكية)، حسب تعبيره!، مضيفاً أن الموضوع لا يتوقف على هذه النقطة، وإنما يتوقف على مقدار جدارة هذا الشخص وإلمامه بعلم الإدارة وشعوره بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطن.
التغيير وفق محددات
يتحدث عن تجربته قائلاً: تقلدت منصب مدير عام مدة عشرين عاماً، وأرى أن كل شيء خاضع للتغيير شرط أن يكون نحو الأفضل، وأن يكون وفق محددات واضحة، لأنه عندما نقول إن شخصاً ما من الناس يعمل في مكان معين لكن ليس ضمن اختصاصه، فهذا يعني أننا نجمد هذا الشخص، لذلك أقول: إنّ الرؤية الاقتصادية يجب أن تكون ضمن منهج إداري واضح المعالم بكل أبعاده، وأن يعرف الشخص الذي يذهب إلى أي موقع مسؤول ما هو المطلوب منه وما هي الأهداف المتوخاة، وأن يسعى لتحقيقها عبر شرطين: الأول أقل تكلفة وزمناً، والثاني أفضل جودة ونوعية.
الأخطر في الإدارة
يقول سلمان: في علم الإدارة الاستراتيجية يقال: أخطر ما تواجهه في أي مؤسسة هو عندما يشعر المدير بأن هناك من هو أجدر وأكفأ منه فسوف يسعى إلى طرده من العمل، أو إعاقته، لذلك أعتقد أنه آن الأوان لننتقل من فكرة المدير العام إلى القائد الإداري بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
مضيفاً: وحتى تكون سورية أفضل فهذا لا يتحقق إلا من خلال قوتها الاقتصادية، لافتاً إلى أنه ليس لدينا نقص في الموارد، فمعادلة الثروة الحقيقية ليست في الموارد، وإنما في الكوادر، فرأس الهرم الإداري هو الذي يجب أن يتمتع بالانتماء والصدق والشفافية، لذلك من المهم التركيز على كلمة القائد الإداري أكثر من كلمة المدير، لأنّ الأخير يُصنع بقرار، بينما القائد الإداري يحتاج إلى دراسة وخبرة، وإلى معرفة، كما يحتاج إلى قدرة الإقناع، مضيفاً: في أي موقع وظيفي عندما يكون هناك شخص أكثر خبرة وفهماً من رأس الهرم الوظيفي يجب أن يترك له المجال على الأقل أن يقدم له اقتراحاته.
مقومات النجاح
يضيف معاون وزير الكهرباء د.سلمان أنه يوجد تسلسل منطقي ووظيفي يعد من أهم مقومات النجاح وهو ما جعل ألمانيا الدولة الأولى صناعياً في العالم، وأن يتبع الشخص لجهة واحدة، مؤكداً التركيز على الأخلاق المهنية أكثر من الشخصية، لأنّ مفهوم الأخلاق الشخصية نسبي بينما المهنية تعتمد على الربح والربحية– خسارة– تقليل الهدر– التوظيف– الإنتاج– زيادة التنافسية وزيادة رضى العاملين، إذ توجد منظومة من المؤشرات التي يمكن أن نستخدمها لقياس أداء أي مسؤول في أي موقع وظيفي.
بيئة العمل نفسها
يؤكد عضو مجلس الشعب الدكتور محمد خير العكام، أنّ تعيين المديرين العامين قانونياً يتم بإحدى الوسيلتين، إما بمرسوم جمهوري أو بقرار من رئيس مجلس الوزراء واقتراح من الوزير المختص، ويرى أنه يجب أن يأتي المدير العام من بيئة العمل نفسها، بمعنى أن يتدرج في الوظيفة الإدارية إلى أن يصبح مديراً عاماً، إضافة إلى ضرورة وجود التكامل بالمعلومات بين المدير العام لأي مؤسسة ومعاونيه، وهذا من شأنه أن يُنجح المرفق برمته، متسائلاً: لكن هل هذا الإجراء يُعمل فيه في المؤسسات أم لا؟ وقد نجد أحياناً أستاذاً جامعياً ناجحاً في اختصاصه، ولكن عندما يعيّن عميداً لكلية ما فإنه لا ينجح، لأنه لم تتوافر له المعلومات القانونية أو الإدارية التي تساعده لنجاحه في الإدارة.
المعايير تختلف من مؤسسة لأخرى
يضيف عكام: إن المديرين العامين في سورية يعينون بالطريقة القانونية، لكن السؤال: هل يقيم عملهم بالسرعة اللازمة، وهل يختارون على أساس ذلك، هل توصيفهم الوظيفي دقيق أم لا، هل هناك محسوبيات تستدعي الانتقاء، كأن نرى مديرين يتمتعون بالشروط والمواصفات ذاتها حينها لابد من أن يتم التمييز بينهم على أساس المحسوبية – المعرفة الشخصية – والكفاءة والمعرفة والخبرة فهذه المعايير يتفاوت تطبيقها بين مؤسسة وأخرى، لذلك نحتاج إلى تقييم دائم من قبل جهة محايدة ومعايير تعتمد الدقة وقابلة للقياس بشكل موضوعي شرط ألا تتدخل الشخصنة فيها، على أن يتم بعد سنة من تقليد الشخص للمنصب ليتبين إن كان بإمكانه الاستمرار أم لا.
ويشدد على أهمية تفويض المعاونين بالصلاحيات اللازمة التي من شأنها التخفيف من ضغط العمل وليتفرغ المدير بشكل كامل للأمور الاستراتيجية، ما يؤدي إلى خلق بيئة عمل إيجابية، إضافة إلى تطبيق قاعدة الثواب والعقاب، شرط أن تبدأ من أصغر موظف إداري إلى الوزير.
تنظير من دون واقعية
يرى الباحث الاقتصادي سنان علي ديب أن الكثير من المديرين استمروا رغم خسارة مؤسساتهم، من هنا يجب أن يكون التقييم من قبل المسؤول المباشر، ومن خلال الأداء عبر تنفيذ الخطط الإنتاجية وجودة أداء الخدمة، أو تقليل التكاليف والهدر وعبر الرضا الوظيفي..
ولفت ديب إلى أن التعيين على أساس الكفاءة والنزاهة من داخل المؤسسة أفضل السبل، ويوجد في مؤسساتنا الكثير من الكفاءات والنزاهات، شرط المتابعة والمراقبة والمحاسبة والثواب، مشيراً إلى أنه قلما تم اعتماد تلك المقومات في التعيين، فالحل يكمن في الانطلاق بالبرنامج المعلن عنه للإصلاح الإداري، ولكن إلى الآن لم يطبق، وعبارة «الرجل المناسب في المكان المناسب» تبقى تنظيراً من دون واقعية، مضيفاً: إننا نعاني فساداً مسرطناً ناجماً عن ترهل إداري نتيجة الاستمرارية بالعقلية ذاتها وعدم التغيير بمعايير التعيين.
يتمتع بمهارات التواصل
نظرة عامة لعميد المعهد العالي للتنمية الإدارية د.عصام حيدر أكد فيها أنه ليس دائماً «الإنسان المناسب في المكان المناسب»، والسبب من وجهة نظره كخبير يعود لعدم اعتماد معايير واضحة وموضوعية بتعيين المناصب الإدارية، مشيراً إلى أمر مهم، أنه عندما يتولى شخص ما منصباً إدارياً، يفترض أن يحمل شهادة إدارية إلى جانب تخصصه، وهذا ما يعدّ غائباً عن مؤسساتنا، مؤكداً أهمية أن يأخذ خريجو التنمية الإدارية دورهم في القيادات الإدارية.
لم يؤيد د.حيدر فكرة أن يكون القائد الإداري من داخل المؤسسة، ويجب تجنبها من الناحية الفنية، على سبيل المثال العامل في المصارف والتأمين عليه أن يكون ملماً ولو بالحد الأدنى بأقسام هذه المؤسسة، لكن الأهم أن يتمتع بمهارات التواصل الإداري، وأن تكون شخصيته قيادية مؤثرة في الغير ولديه القدرة على اتخاذ القرار بشكل جيد وبطريقة علمية.
وفيما يتعلق بخريجي المعهد العالي للتنمية الإدارية ودورهم في المناصب الإدارية قال: إن قلّة قليلة منهم أخذت دورها، فمنهم من تبوأ منصب معاون وزير أو نائب مدير عام، لذلك النظرة العامة للواقع تؤكد أنه ليس دائماً «الإنسان المناسب في المكان المناسب».
معايير جديدة
تؤكد وزيرة التنمية الادارية د. سلام سفاف أهمية توخي الدقة في المعايير عند انتقاء شخص ما لأي إدارة ولاسيما أن برنامج الإصلاح الإداري الذي تم إطلاقه تضمن مشروع إصلاح النخب القيادية في سورية حيث سيتم وضع معايير لشغل وظيفة مدير عام، وذلك تبعاً لخصوصية كل مؤسسة، إضافة إلى معايير لاستلام المواقع القيادية، مشيرة إلى ما أقرته السلطة التنفيذية لقانون معاوني الوزراء حيث يتضمن معايير يعمل بها للمرة الأولى، إذ يعمل على اقتراح تحديد الولاية الإدارية لمعاون الوزير بأربع سنوات وقابلة للتمديد سنتين، وهذا ما ينسحب على المديرين العامين ورؤساء الهيئات، لافتة إلى أن هذه المعايير ستسمح بوصول من يتمتع بالمؤهلات المناسبة بفعالية أكثر، مؤكدة على المؤهل العلمي والتخصص والخبرة النوعية، إضافة إلى المهارات الشخصية وهذا ما يخلق الشخصية القيادية.
وأضافت سفاف: إن سلامة العمل الإداري في سورية من استقرار البنية التنظيمية والوظيفية فمديرو الإدارة الوسطى لهم دور كبير في استقرار العمل الإداري والإنتاجية لأنهم هم قاعدة الإدارة العامة في سورية سواء أكانت إنتاجية أم خدمية.

print