رغم أنه مصطلح اقتصادي جاف إلا أن استخدامه يوقع في النفس صدى رناناً.. إنه مصطلح إعادة الإعمار الذي أصبح حديث الساعة، بدأ يتكرر في الكثير من المشاريع والخطط الاستراتيجية منها أو الآنية.. مصطلح يعطي انطباعاً بأن هناك ضوءاً بدأ يظهر في آخر النفق المظلم.
لا يوجد قطاع أو تفصيل لا يحتاج إعادة إعمار كما الحارات والمدن المهدمة: السلوكيات قبل القوانين، وكل ما يؤسس لثقافة وعادات وأخلاق مختلفة يحتاج تشميلاً بهذه الاستراتيجية.
لا يحصل هذا بالأمنيات، بل بأسس عرفها سكان الشعوب الذين خرجوا من عنق الزجاجة ومن حروب تشبه ما مر على ساكني هذا البلد.
كثيرة القوانين التي تحتاج إعادة إعمار أيضاً لكي تحمي الحقوق، ومن ثم يؤسس لمصطلح «جرم» اختراقها، ولكن هل يمكن ذلك مع استمرار الكثير من أسباب وجودها كسياسة الأجور والضرائب وتدني الخدمات بكل أنواعها و…؟
تحتاج مواد قانون العمل وتطبيقاته الكثير من الإعمار والترميم, على أمل أن تنتهي الكثير من البنود التي تنغص حياة عشرات آلاف العمال كغياب نظم العلاقة المنصفة بين العامل ورب العمل وفي القطاعين، أو أن ينظر بأمر ثغرات تسهل استغلال جهد العمال وتسمح بالهروب من التسجيل في التأمينات الاجتماعية، أوفي آليات الترقية ومنح المزايا و….
قد لا تستطيع خطة إعادة الإعمار الإسعافية العمل في كل المجالات الملحة، لأن هذا يتطلب عقوداً لكي تتحول الممارسات الأخلاقية إلى بيئة وثقافة، فكم من العقود يحتاج علاج الثقافات التي تبرر النهب بكل أنواعه، بدءاً من أحدث أنواعه الذي شاع زمن الحرب «التعفيش» إلى السرقات الكبيرة المباشرة للمال العام أو الخاص، وانتهاء بأحدث أنواع السرقات، المتمثلة بسرقة كبل الهاتف؟!
للحقيقة لم أجد أسوأ من هذا النوع من السرقات التي تحول منطقة بأكملها إلى عصر ما قبل الهاتف للحصول على كبل لا أعرف ما قيمته، والمفارقة طريقة إيصال خدمة الاتصالات إلى الكثير من القرى المكشوف فيها الكبل كحبل الغسيل وتسهل سرقته، ويعاد مده بالطريقة ذاتها لتعاد سرقته ربما من قبل الأشخاص ذاتهم.
الآن لم تعد هذه الظاهرة محصورة بالقرى التي اشتهرت فيها، بل انتشرت بحيث إن الهاتف لم يرن في بيتنا منذ ثلاثة أشهر.

::طباعة::