يقف الفن التشكيلي السوري اليوم مترنحاً بين التقليد والتطوير، فنراه أحياناً منقطعاً عن ماضيه العريق في أعمال الكثير من الفنانين التشكيليين الذين وجدوا لأنفسهم هوية وأسلوباً جديداً يعكس ثقافة بصرية ليست سورية بالمطلق في بعض الأوقات، بينما اختار آخرون الوقوع في فخ تقليد أحدث صيحات الفن الغربي واجترار تقنياته بل وربما مواضيعه التي لا تمس روحنا الشرقية بصلة، حتى تكاد بعض اللوحات تتشابه مع ما ينتجه الغرب إلى حد الاختلاط!.
على أي ناصية يقف الفن التشكيلي السوري اليوم؟ وهل فعلاً قطع حبل السرّة مع الذائقة الفنية السورية القديمة؟! وهل أصبح فنانو سورية أكثر ميلاً إلى تقليد الغرب في مدرستهم التجريدية الحديثة؟! تساؤلات طرحناها على بعض الفنانين السوريين التشكيليين، فكيف كانت آراؤهم؟.
الفنان والناقد السوري أديب مخزوم نوه بمأزق التشكيل السوري المعاصر، ووقوعه في أطر التقنيات الغربية، يقول مخزوم: «هذا لا يعني أنني ضد التجريد، فالفن التشكيلي الحديث لغة عالمية، ولا يمكننا المطالبة بالرجوع إلى التجريد الزخرفي الهندسي، والصياغة الواقعية التسجيلية والتقليدية، لكني ضد اللوحة الضعيفة المطروحة بكثرة في معارضنا، سواء أكانت كلاسيكية أم واقعية أم تجريدية أم انطباعية أم أي اتجاه آخر، وفي المقابل أنا مع العمل الفني الصادق والحقيقي، حتى وإن دخل في نطاق فنون التجهيز، ولاسيما أن الكلاسيكية أكثر ارتباطاً بفنون الغرب من التجريدية، لأن جذورنا تجريدية زخرفية وحروفية».
من يتعمق في دراسة الفنون الفسيفسائية وفن المنمنمات وسواهما من فنوننا القديمة، يجدها أكثر عصرنة من كل المدارس الفنية الغربية، فكل مقطع أرابسكي أو فسيفسائي أو حروفي هو في حد ذاته لوحة تجريدية حديثة، حتى إن فنون العصر الحجري تبدو أكثر حداثة، في عفويتها وتلقائيتها، من فنون مطلع الألفية الثالثة، هذا ما يؤكده مخزوم ويضيف: «قد تكون ثقافة الفنان البصرية، في هذا العصر بالذات، هي العنصر الأكثر فعالية في نجاحه وشهرته وتألقه، بدليل أن العديد من الفنانين البارزين، يفتقرون إلى الركائز التي تمكنهم من الرسم الواقعي الصحيح، ومع ذلك فأعمالهم مطلوبة ورائجة ومنتشرة، وفي المقابل هناك فنانون متمكنون جداً من أدواتهم في الرسم الواقعي، ومع ذلك بقيت شهرتهم محدودة، وأعمالهم بعيدة عن دائرة الاهتمام الإعلامي والنقدي، بحجة عدم مسايرتهم لروح العصر، وثقافته التشكيلية الحديثة والمعاصرة، ولهذا سرعان ما تواجههم العبارة الجاهزة: «أنتم مطالبون بالخروج من إطار الواقعية إلى رحاب أوسع، والتعمق في دراسة النواحي التعبيرية والجمالية والتقنية».


يرى مخزوم أن مخزون الفنان البصري يظهر كحاجة ملحة، لتغذية بحوثه التقنية والتشكيلية، من منظور تطور علم الجمال الحديث، في خطوات الإمساك بالخط التصاعدي الأسلوبي، واللمسة واللون العفوي والتكوين، لإعطاء الملمح الخاص للتجربة التشكيلية، وإيجاد حساسيات بصرية جديدة في لوحته بمعناها التعبيري والجمالي كلون وضوء ووهج أمكنة: «لاشك في أن بعض الفنانين السوريين، من رواد الحداثة ومن الأجيال المتعاقبة، استطاعوا الوصول إلى أساليب فنية خاصة بكل فنان على حدة، ولكن المأزق برز في أنهم قدموا أساليبهم من منظور تطور الفنون الغربية، ومدارسها المتنوعة القادمة إلينا من عواصم الفن الكبرى، وبذلك ابتعدوا عن خصوصيات التراث، ودخلوا في مرحلة التقليد والمراوحة واجترار تقنيات فنون الغرب، ولم يعد من السهل خروجهم عن إطار التقليد، والوصول إلى الضفاف الإبداعية، التي تحرك وبقوة الانطباعات المقروءة في العمل الفني عبر الكشف عما يثير ويحرض الفنان والمتلقي معاً.
الفنان موفق مخول يرى أن الفن يتطور ويتجدد في كل أنحاء العالم: «كل ثقافات العالم أصبحت متقاربة، ولم يعد يوجد جدران أو حدود بين هذه الثقافات، وخاصة بعد الولوج إلى عالم الانترنت بجميع مواقع تواصله الاجتماعية، برأيي في الأساس لا توجد لوحة تشكيلية سورية، لأن الفن التشكيلي السوري في مجمله مأخوذ من الثقافة الغربية» أما فيما يتعلق بفن التجريد فيدافع صاحب أضخم جدارية في العالم عن التجريد باعتباره فناً حديثاً ومعاصراً، ويتناسب مع العولمة الثقافية، وفيه خيال وإبداع وإحساس غريب: «هو –برأيي- يعبر عن نظافة الفكر في الإبداع، لكن نحن في الشرق نحب اللوحة التقليدية المعروفة والمفهومة، ونحب المهارة في العمل أكثر من التفرد في الفكر».
الفنان فداء منصور يرى بدوره أنه يوجد حالياً تطور فني ومخاض فوضوي جميل، لابد من أن يثمر عن نتائج جيدة «الفن التشكيلي السوري القديم أكثر أصالة وعمقاً ودراسة وأكاديمية، حتى النقد كان أكثر مصداقية ومعرفة، لكن مازال ينقصنا الدراسة و التقييم الحقيقي للوحة، من دون أن ننسى أن سورية مليئة بالخامات الرائعة وبكثير من الفنانين المهمين».
التجريد في رأي منصور ذروة من ذرا الفن التشكيلي الذي يتخطى الأكاديمية بعد إتقانها «اليوم نرى –للأسف- الكثير من المهرجين التشكيليين الذين يحاولون إقناعنا بميولهم التجريدية، من دون أن يكونوا مقتنعين أنفسهم بها، ولكن رغم ذلك أرى مخاضاً جميلاً لابد ستنجم عنه ولادة هامة، ولا يصح إلا الصحيح».

طباعة