بينما كانت ثمانينيات القرن الفائت مرحلة المد الشاقولي للدراما السورية، كانت تسعينيات ذلك القرن وبدايات القرن الجديد مرحلة الامتداد الأفقي لهذه الدراما، مستفيدة من ظهور الفضائيات العربية، بعد أن استطاعت التكيف مع شكل العرض الجديد التي فرضته تلك الفضائيات، ولاسيما لجهة التخلي عن صناعة دراما شديدة الخصوصية المحلية، وهو الأمر الذي استدعى ضرورة المسارعة إلى ما يمكن أن نسميه عملية تأصيل للإنتاج الدرامي السوري في تلك الفترة، كي لا تفقد درامانا هويتها في زحام الفضائيات.
عملية التأصيل المرجوة تلك، وجدت تعبيرها الأمثل في تقديم دراما جديدة تمتلك عامل فرادتها عربياً انطلاقاً من الوعي بالأصول الحاكمة لنجاح الدراما السورية منذ انطلاقتها، أي تقديم المتعة والمعرفة بلبوس فني مبدع، فبدأنا نشهد إلى جانب تكريس تجربة «السينما المتلفزة» تجارب درامية جديدة، كان أهمها ما عرف بتجربة «دراما الإبهار البصري»، التي أسس لها مسلسل «نهاية رجل شجاع» للمخرج نجدة أنزور والسيناريست حسن م. يوسف. وفي هذا المسلسل استطاع المخرج أنزور، الذهاب نحو مشهدية جديدة لعبت دوراً أساسياً في جذب المشاهد العربي، إذ بدأنا نشهد حالة من النحت في الصورة وإعادة تشكيلها على نحو جمالي، على نحو لم يعد في كل مرة الشكل يعبر عن موضوع الحوار، من دون أن يعني ذلك إلغاء المضمون، وإنما تقديم فهم جديد له.
وعاد المخرج أنزور ليكرس تجربته تلك بالذهاب نحو مقترحات درامية جديدة، مثل «الفانتازيا» التي غيبت الصورة الواقعية، لتحل محلها أخرى مفترضة، متحررة من شرطي الزمان والمكان، ترتفع فيها درجة إبهار الصورة، من دون أن تثير حفيظة أحد.
وسرعان ما شهدت الدراما السورية تجارب درامية سورية أخرى، تكيفت مع شرط الفضائيات الرقابية، بطريقتها، من دون أن تفقد خصوصيتها أيضاً، فعاد البعض إلى التاريخ لتقديم حكايات منه تحمل بمضمونها إسقاطاتها الواقعية الراهنة (رباعية الأندلس)، بينما طرق البعض الآخر باب الكوميديا (بقعة ضوء) عبر أعمال امتازت بعمق أفكارها وجرأة مقولاتها المغلفة بالضحكة وسذاجة من يقولها.
الوعي بالأصول الحاكمة لنجاح الدراما السورية منذ انطلاقتها، كما حدث في فترة ظهور الفضائيات، هو ما افتقده منتجو اليوم وهم يواجهون موسم يباس تسويقي يعصف بالدراما السورية ويؤطرها في حدود فكرية ضيقة ويملي عليها أنماطاً درامية هجينة، وحكايات عابرة للحدود من دون أساس فني أو فكري.
وبدلاً من البحث عن صيغ درامية جديدة، تقدم دراما بلا حدود تذخر بالمعنى، أسقط هؤلاء الدراما السورية في هوة الاستهلاك، وقدموها بجوف فارغ، ورغم محاولة البعض القبض على جمر الإبداع وسط هذه الدرامات البائسة، إلا أن صوت هذه الأخيرة بدا أعلى وهو يذهب إلى القنوات العارضة بوصفتها المطلوبة لا بمقترحه المبتكر.
هل صارت الرداءة قدر الدراما السورية…؟
حتى الساعة، مادمنا ننتج مسلسلاً واحداً خارج قطيع الجوف الفارغ، لم يزل يمكننا القول: «في أمل».

::طباعة::