تعد الإجراءات والجهود المبذولة من قبل الجهات المعنية والمختصة في محافظة حلب لتبسيط الإجراءات أمام عودة المواطنين إلى مناطقهم وبيوتهم ومحالهم ومنشآتهم التي حررها أبطال الجيش العربي السوري من سيطرة العصابات الإرهابية الشغل الشاغل لهذه الجهات وهي تعمل ليلاً ونهاراً لمساعدتهم على ترميم وإصلاح المتضرر منها وبالأخص البيوت والأبنية والمحال والمنازل المهدمة أو المدمرة الواقعة في منطقة المدينة القديمة لكونها منطقة جذب نشطة للاستثمار السياحي والصناعي والتجاري وتعد واحدة من أبرز المناطق الأثرية الستة في سورية التي أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر ويجب المحافظة عليها ضمن معايير شروط محددة.
لمحة تاريخية
للحمام أهمية تاريخية كونه من الأبنية الأثرية ويعود بناؤه إلى العهد المملوكي وعمره أكثر من 537 سنة وتبلغ مساحته بجميع الأقسام التي تصل إلى نحو 10 أقسام زهاء 1000 م2 والملاحظ أنه قد أضيف على عمليات الترميم الإضاءة والإنارة الملونة التي تشبه إلى حد كبير إضاءات البانسيونات والملاهي، الأمر الذي يعطي انطباعات جديدة ومحدثة بعيدة كل البعد عن الجانب الأثري والتاريخي والروحي للبناء الذي يجب المحافظة عليه وإبرازه؟!
رخصة للترميم
وفي هذا الإطار منحت مديرية المدينة القديمة التابعة لمجلس المدينة مالك العقار رقم /٥٣7 – ١٢/ (م.أ.ع) الكائن في المنطقة العاشرة شرق دوار قلعة حلب وبناء على طلبه رخصة ترميم بسيطة (لحمام باب الأحمر) برقم ٢٠٢ تاريخ ٦/٨/ ٢٠١٧. وقد تم الاحتفال بإعادته للعمل الشهر الماضي بعد توقف دام نحو ستة أعوام.
مع المستثمر
وللوقوف على هذا الموضوع ولمعرفة كيف نفذت هذه الرخصة قامت «تشرين» بزيارة الحمام حيث التقينا هناك مستثمر الحمام (س.خ) الذي حدثنا عن طريقة قيامه بتنفيذ أعمال هذا المشروع فقال: لقد وقعت مع صاحب هذا الحمام عقد استثمار لمدة /15/ سنة وحصلت على رخصة الترميم وقمت بأعمال الترميم الواردة بالرخصة كاملة خلال أربعة اشهر أنا ونحو (٥٠) عاملاً بمتابعة دؤوبة ليلاً ونهاراً بإشراف المهندسين من مديرية الآثار ومديرية المدينة القديمة ومديرية السياحة وفق المخططات وحسب توجيهاتهم تماماً. وقد أضفت على أعمال الرخصة (إقامة مطعمين) فوق سطح الحمام بمساحة (٧٠٠) م٢ وجميع الأعمال المنفذة هنا من أفكاري وشغلي ولم أسمح لأحد بالدخول إلى هذا المشروع حتى الانتهاء منه والاحتفال بافتتاحه. وقد كانت المناسبة مفاجأة وسارة وسعيدة لأبناء مدينة حلب لسرعة إنجازها وجاءت انطلاقاً من إيماننا بضرورة دعم الجهود المبذولة من كل الجهات لإعادة الحياة والنشاط والحركة إلى المدينة القديمة. وبسبب ضغط العمل لدى المستثمر لم نتمكن من متابعة الحديث معه ولم نتمكن من طلب الرخصة للاطلاع على مضمونها وفحواها للحصول على المزيد من الملاحظات التي وقفنا عليها لجهة ارتكاب المخالفة بإقامة المطعمين فوق سطح الحمام اللذين شكلا حالة غريبة وعلامة استفهام كبيرة لمن تغاضى عنها ؟!.
ممنوع التحدث للصحافة
في اليوم التالي توجهنا إلى مديرية الآثار والتقينا مديرها المهندس أكرم قره كله الذي كان حديثه معنا مقتضباً ولم يشأ الإجابة على أسئلتنا لأن لديه توجيهاً من الإدارة العامة بعدم التحدث مع الصحفيين كما قال إلا بعد أخذ موافقتها. لكننا بشيءٍ من الحوار الهادئ استطعنا الحصول منه على بعض المعلومات عن موضوع الحمام، حيث قال: بالنسبة لحمام باب الأحمر لدينا مهندسون كانوا يتابعون عملية الإشراف على عملية الترميم باستمرار ويقدمون تقاريرهم لنا بعد كل زيارة وأنا أقوم بالتأشير عليها. وجواباً على سؤالنا ماذا تضمن آخر تقرير من معلومات ومعطيات وإنجازات فقال: أنا لا أستطيع حفظ معلومات /٣٠٠/ رخصة قدمت للمديرية ولا أدقق في مضمون الكتب، بل أنظر إلى نهاية طلب الرخصة وأكتب ما يجب عمله مثل: للمعالجة أو لإجراء اللازم بالتنسيق مع المدينة القديمة.
المواطن ليس سهلاً
وفي الحقيقة المواطن ليس سهلاً عندما يريد أن ينفذ أي عمل في بيته أو محله فهو يقفل الباب على نفسه ويفعل ما يشاء. وعندما نحضر إلى هذا المكان أو ذاك لا نجد من يفتح لنا الباب.
عريشة على السطح
وأشار مهندسونا إلى وجود تجاوزات على الرخصة تمثلت بإقامة عريشة على السطح وتجاوزات أخرى موجودة على الأرض. وقد وجهتهم لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، ونعمل حالياً على توجيه كتب للسيد المحافظ بخصوص العقارات التي لا نستطيع الدخول إليها. وحمام باب الأحمر لا يعد منشأة سياحية بل منشأة خدمية يتم الإشراف عليها ومتابعتها من قبلنا بالاشتراك مع مديرية المدينة القديمة.
الحمام لم يصنّف بعد
ثم انتقلنا إلى مديرية السياحة والتقينا مديرها المهندس باسم الخطيب الذي أشار إلى وضع الحمام بالقول: الموقع الذي تتحدث عنه مصنف كحمام فقط، وإضافة المطعم إليه يحتاج إلى موافقة اللجنة الفنية ولجنة حماية المدينة القديمة ليتم تغيير التوظيف بعد أن يتقدم صاحبها بطلب إلى مديرية السياحة وبعد الكشف على الموقع لتأهيله وفقاً للمرسوم ١١ لعام ٢٠١٥. وحتى الآن لم يتم تصنيف هذا الحمام ولا المطاعم المحدثة فيها. لكن من حيث المبدأ فإننا نتعامل مع مثل هذه المنشآت وفق مضمون المرسوم التشريعي المذكور آنفاً والذي ينص في المادة /١١/ على ما يلي:
– يشكل وزير السياحة في كل محافظة لجنة مشتركة دائمة تضم ممثلين عن وزارتي السياحة والمالية والوحدات الإدارية المعنية للكشف على المنشآت التي تقدم خدمات مشابهة للخدمات التي تقدمها المنشآت السياحية المذكورة في البنود /١ – ٢ – ٣/ الملحق بهذا المرسوم ويتم تحصيل ٥ بالمئة من مستوى نجمتين أو ٣ نجوم، ويتم تحصيل ١٠ بالمئة للـ٤ نجوم – ٥ نجوم) و ٢٠ بالمئة لخدمات الملاهي والنوادي الليلية المصنفة بفئة نجمتين وضمن زمرتين (أ – ب) بما فيها خدمات التوصيل وهي ٥ بالمئة. لكن لدينا مشكلة دائمة ومرض عضال تتمثل بعدم امتلاك مواطننا ثقافة عدم الشكوى على من يظلمه ويستغله بكلمة (ما بدي أضره).
المطاعم مخالفة
وخلال زيارتنا للمهندسة ريم خانجي مديرة مديرية المدينة القديمة وسؤالها عن وضع حمام باب الأحمر قالت: إنني كلفت كمديرة لهذه المديرية منذ نحو شهر تقريباً ولم أكن قبلها متابعة لأعمال هذا الحمام وبإمكاننا الآن الاطلاع على حالته القانونية، ثم أحضرت الرخصة الممنوحة لصاحبها والتي تنص على ما يلي: تمت الموافقة على الأعمال الترميمية البسيطة الواردة في طلب الترخيص وتتضمن ما يلي:
– إغلاق طلاقيات الجدار الكائن في الدكان واستكمال باقي الحبة الداخلية.
– إغلاق الفتحة في السقف الغمس.
– أعمال كحلة أثرية غاطسة وزريقة كلسية.
– أعمال زريقة كلسية وكحلة أثرية غاطسة.
– تمديدات صحية وكهربائية.
– أعمال بلاط من حجر أصفر.
– ترميم أعمال منجور خشبي ومعدني يتناسب مع المدينة القديمة شريطة أن يتم تنفيذ البندين (١-٢) تحت إشراف مهندس إنشائي مختص مع تأمين السلامة الإنشائية والتقيد بمعايير الترميم ومراقبة الأعمال من قبل دوريات المراقبة في مديرية المدينة القديمة ومديرية الآثار أصولاً. وفي حال مخالفة أي بند من بنود الرخصة تطبق القوانين والأنظمة النافذة بحق المخالف.
المستثمر استغل الظرف الصعب لحلب
وأضافت المهندسة خانجي: المستثمر نفذ رخصة الترميم في الحمام بشكل تام لكنه استغلها لإقامة المطاعم بشكل مخالف في ظل ظروف قاهرة وصعبة وستتخذ بحقه الإجراءات النظامية حسب القوانين النافذة وكان يقتضي منه الحصول على رخصة تغيير التوظيف أيضاً، إضافة إلى رخصة الترميم قبل البدء بإقامة المطاعم الأمر الذي يستوجب مخالفته واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه بأسرع وقت.
أخيراً
إننا نضع هذه الحقائق أمام وزارة الإدارة المحلية ومحافظ حلب والمديرية العامة للآثار والمتاحف ورئيس مجلس المدينة للبحث في كيفية قيام المستثمر باستغلال المرحلة الانتقالية الصعبة لمدينة حلب بالتلطي خلف رخصة الترميم لتنفيذ مخالفة من هذا القبيل وبهذا الحجم، ونتساءل: ترى هل ستتم مساءلة ومحاسبة من وقف مع هذه المخالفة أو سكت عنها في مرحلة دقيقة وصعبة؟ إضافة إلى مشاركتهم في حفل الافتتاح الذي ظهر من خلاله حجم المخالفة لاتساعها ومخالفتها لطبيعة الزمان والمكان ونوعية السكان؟! . وهل بهذه الطريقة سيتم التعامل مع ما هو موجود لدى الجهات المعنية والمختصة من طلبات الترخيص والترميم والإصلاح للمباني والمنازل والبيوت والمواقع الأثرية والاستثمارية في المدينة القديمة؟! .

طباعة

عدد القراءات: 2