تقضي أم حسن جلستها مع جارتها لتخبرها كيف استطاعت أن توفر طبخة اليوم بأقل التكاليف، وبقدرتها على أن تكفيها الطبخة يومين متتالين بإضافات بسيطة كي تستطيع أن تؤمّن مصروف الشهر كاملاً من دون الحاجة للاستدانة أو للطلب مرة أخرى من زوجها بقية المصروف، بينما تتندر أم محمود بقدرتها على اكتشاف أسواق بيع الجملة والشراء المباشر منها لتوفير مئات الليرات عند شراء السلع المنزلية والخضر والفواكه، وربما الآلاف عند شراء الألبسة والأحذية والأواني المنزلية!
حال أم حسن وأم محمود ليس وحيداً، إنما هو حال العديد من ربات البيوت اللواتي يتحايلن على الحياة ومصاعبها بكل الطرق لحفظ كرامتهن من العوز والحاجة، فربات البيوت لم يعدن يخجلن من الطلب من اللحام لتقسيم كيلو اللحم إلى خمس طبخات في حال قدرتهن على شراء لحم الخروف أو العجل، أما الأخريات اللواتي ينظرن إلى لحم الخروف نظرة شهوة وإعجاب فتحايلهن يكون بتقسيم لحم الفروج إلى طبختين أو أكثر حسب الموازنة العامة للمنزل، وبطبيعة الحال هناك من الأسر من خرج اللحم من مائدتها خروجاً كاملاً ولا يأتي إليها إلا كضيف ثقيل الظل يفضل خروجه بأسرع وقت لكيلا تعتاد الأسرة طعمه ويزيد الطلب عليه! ويمكن القول: إن تقسيم المجتمع اليوم إلى لاحمين ونباتيين أصبح واضحاً ومنظوراً بغض النظر عن ازدياد نشاط الدعويين إلى الاستعاضة عن اللحوم الحيوانية باللحوم المصنعة من مصدر نباتي لأسباب صحية وبيئية.
كذلك حال آلاف الشباب والطلاب الذين يتحايلون على الحياة بكل السبل المتاحة لتسيير شؤون حياتهم، فالانتقال مشياً ليس السبيل الوحيد للتوفير بعد الارتفاع الكبير في أجور المواصلات، ولاسيما أجور سيارات التاكسي التي تغيب عنها الرقابة، فمن يستطيع أن ينتقل بوساطة التاكسي هو الآخر أصبح يتحيّن الفرص للنزول من التاكسي مع وصول العداد لأرقام صحيحة وقبل أن يقلب وتضاف كسور جديدة إلى حساب سائق يخفي كسور العملة كما يخفي المهربون بضاعتهم، ومن ينتقل بوساطة سيارات السرفيس أصبح يفضل الانتقال مشياً أو بالدراجة الهوائية والاستفادة من مخصصات مصروف التنقل بحاجات أكثر قيمة! وبدلاً من تصوير المحاضرات عاد الشباب إلى نسخها مجدداً، ولاشك في أن تأمين مصروف المدارس والدروس الخصوصية أصبح هو الآخر من الأمور الأكثر تعقيداً مع الارتفاع الكبير لهذه الأقساط ويحتاج خططاً سنوية من الأسرة مهما تواضعت قيمتها.
هو شكل التحايل الجديد الذي أصبح السوريون يعيشونه بعد سبع سنوات من الحرب، آملين أن يحمل العام الجديد معه الخير بما يسمح وعودة حياتهم إلى سابق عهدها.

print