بديع صنيج:

أفكر أن أقوم بجردة حساب للسنة المنصرمة، أسوة بما فعله زملائي في مختلف قطاعاتهم، لكنني لا ألبث أن أقول: إنها سنة فائتة، دعها وشأنها، ولا تكترث بها بل فكِّر بالقادم، أواصل تفاؤلي المُعتاد فيَصْدُم رأسي أحد المختصين بعلوم الطاقة والحسابات الذهنية الدقيقة ويُنَبِّهني: إياك وعدم الالتفات إلى الخلف، فلن تبني القادم إلا بالتأسيس على ما مضى، أتحايل على الفكرتين، وأتمسَّك باللحظة، وكأنني في فيلم «الحدود» لست قادراً على العبور لا إلى شرقستان ولا غربستان، هنا أستحضر قصيدة الوقت لأدونيس التي يقول فيها: «حاضناً سنبلة الوقت، ورأسي برجُ نار، ما الدّمُ الضّاربُ في الرّملِ، وما هذا الأفولُ؟ قُلْ لَنا، يا لَهَبَ الحاضِرِ، ماذا سنقولُ؟». حيرة ما بعدها حيرة، جعلت الأفكار المُعشِّشة تدور حول رأسي في دوّامة كتلك التي تظهر على رأس توم بعد مقلب جديد من جيري، فعلاً ما الذي يُمكِن أن أقوله ولم أَقُلْهُ من قَبْل؟ أواسي نفسي أن الأهم من ذلك هو كيف أقوله؟ فالزَّمن يَمُرُّ منذ ساعات الرَّمل وحتى أحدث ساعات الديجيتال، ومنذ ما قبل التقاويم الشمسية والقمرية وحتى ما بعد روزنامة الهاشمية والمُفكِّرات الإلكترونية، فلماذا أطلُبُ منه دائماً ما لا يستطيعه لنفسه؟ ولماذا أكترث بما لا ينبغي أن أكترث له؟ ألم يقل المُتنبي قبلنا بمئات السنين:
أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أنْ يُبَلّغَني
مَا لَيسَ يبْلُغُهُ من نَفسِهِ الزّمَنُ
لا تَلْقَ دَهْرَكَ إلاّ غَيرَ مُكتَرِثٍ
مادامَ يَصْحَبُ فيهِ رُوحَكَ البَدنُ
فَمَا يُديمُ سُرُورٌ ما سُرِرْتَ بِهِ
وَلا يَرُدّ عَلَيكَ الفَائِتَ الحَزَنُ
أُقَرِّر أنني سألتزم بنصائح من أحب من الشعراء، فلا أُعطي بالاً لرأس السنة بل أواصل لَعِبي بالأيام كطفلٍ يَرسُم على لوحٍ بلاستيكي أبيض فيُسَرُّ بما صنَعَت يداه، ثم يمحو لوحته ليَرْسُمَ واحدةً أخرى من جديد ساعياً لأن تكون أجمل، وكأنني أُكَرِّر ما فعله محمود درويش حين قال: «إني أحتفل اليومَ بمرور يومٍ على اليوم السابق.. وأحتفل غداً بمرور يومين على الأمس.. وذكرى اليوم القادم.. وهكذا… أواصل حياتي!».

::طباعة::