يعكس إصرار حكومة الولايات المتحدة على البقاء في سورية بعد هزيمة «داعش»، مرة بالادعاء أن التنظيم التكفيري الإرهابي لم يُهزم بعد، ومرة بالإعلان أن الوجود العسكري الأمريكي في سورية لا يرتبط بالوجود العسكري الروسي فيها ولا بمحاربة «داعش» فحسب، خوف الإدارة الأمريكية من الدخول في حالة انعدام التأثير والوزن على المسرح السوري والإقليمي في مواجهة سورية وحلفائها. فبعد كسر شوكة التكفيريين في دير الزور وجوارها والتقاء القوات السورية والعراقية على طرفي الحدود واستعادة البوكمال، وبعد مناطق «تخفيف التوتر» واستدارة تركيا والتقدم العام للجيش العربي السوري في عموم جغرافيا الوطن، وبعد الانهيار العام في مجموعة ما يسمى «أصدقاء» سورية وتفاقم التناقضات في صفوفها، ولاسيما بين قطر والسعودية، وبعد فشل مشروع «تفكيك» سورية و«إخضاعها» للهيمنة الأمريكية والصهيونية، فإن ميزان القوى بات يميل بشكلٍ لا لبس فيه لمصلحة سورية وحلفائها، وتالياً فإن مسار جنيف، وأي مسار تفاوضي آخر، بات لابد له من أن يعكس الوقائع القائمة على الأرض، ميدانياً وسياسياً، وهذا مثله مثل قانون الجاذبية لا مهرب منه، ولذلك، فإن الطريقة الوحيدة التي تملكها الولايات المتحدة والعدو الصهيوني والرجعية العربية لكي تبقى «لاعباً رئيساً ولكي تحافظ على شيءٍ من الندية» بعد الهزيمة الماثلة لمشروعها باتت عرقلة الحل السياسي من جهة، ومحاولة استخدام ورقة وجودها العسكري في سورية، كأداة «ابتزاز» سياسي على طاولة جنيف من جهة أخرى، فمسألة الوجود العسكري الأمريكي تم ربطها بمحادثات جنيف مباشرة، ولذلك كان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس الأكثر وضوحاً عندما قال، بحسب وكالة رويتزر في 14 تشرين الثاني الفائت: «لن نقدم ببساطة الآن على الانسحاب من سورية، ولن ننسحب قبل بدء ظهور نتائج جنيف..»، ومعنى الكلام هو ببساطة: «أعطونا ما نريد في جنيف لكي ننسحب، فبإمكاننا أن نعكر صفو انتصاراتكم»!
سورية بالطبع لا تخضع للابتزاز، وقد جاء ردها على البلطجة الأمريكية (والتركية) قبل أشهر عديدة، ومنه ما صرحت به وزارة الخارجية السورية مراراً، وما صرح به الرئيس بشار الأسد لصحيفة كرواتية في 6 نيسان الفائت من أن كل تدخل لأي جندي، ولو كان فرداً، من دون إذن الحكومة السورية هو «غزو»، وتدخل غير قانوني واعتداء على سورية، ولهذا فإن الرئيس الأسد تحلى بحكمة بعيدة النظر عندما أصر في غمرة الانتصارات على ألا ننجرف لإعلان النصر النهائي قبل الأوان، وذلك أن الأصيل قد يدخل مباشرة بعد فشل الوكيل، وهو وإن كان أضعف من أن يقوم بعملية احتلال أو أن يدخل صراعاً مباشراً مع سورية وإيران وروسيا، فإنه لايزال قادراً على إعاثة الفساد في الأرض، وأن يغذي منابع الإرهاب، وأن يُحدث قدراً من عدم الاستقرار، وقد جاء التقرير الروسي الذي كشف أن الولايات المتحدة تؤسس جماعة إرهابية جديدة باسم «الجيش السوري الجديد» في الحسكة، من فلول «داعش» و«النصرة» وغيرها، دليلاً آخر على ما نذهب إليه هنا، ولا نستطيع أن نفصل هذه الخطوة الاستفزازية بالطبع عن المنطقة «الخاصة» التي رسمتها الولايات المتحدة بشعاع 50 كيلومتراً حول «قاعدة» التنف، وكلنا يعرف طبعاً أن ما يسمى «الجيش السوري الجديد» ليس بجديدٍ على الإطلاق، وأن هذه التسمية سبق أن أطلقت على عدد من العصابات الإرهابية منذ عام 2012، وأن الولايات المتحدة سبق أن أسست في عام 2015 عصابة إرهابية مسلحة تحمل الاسم نفسه، لكنها تحللت بعد عام تقريباً، وأسس من بقي منها جماعة إرهابية مسلحة أخرى باسم آخر، وها هي الولايات المتحدة تعود اليوم إلى نشاز اللحن الممجوج نفسه، الذي سيلقى بالضرورة المصير نفسه، وهي تعرف ذلك، وهذا لا يهمها كثيراً، ما دامت تستطيع أن تجند مضللّين ومأجورين ليدمروا سورية (وأنفسهم) بالنيابة عنها.
إبقاء سورية في حالة عدم استقرار، من خلال إعاقة أي محاولة جادة لتحقيق الحل السياسي، عبر جنيف أو غيره، هو المشروع السعودي أيضاً، وهذا هو المعنى الحقيقي لما يسمى بيان «الرياض 2» الذي جاء حاملوه إلى الجولة الثامنة من محادثات جنيف، ومشغلوهم يدركون تماماً أنهم لا يملكون القدرة العملية ولا المصداقية الأخلاقية ولا التوازن العقلي لكي يطرحوا مثل تلك «الشروط» المسبقة فاقدة الصلة بالواقع التي جاؤوا بها، إنما القصد هو التعطيل، ومنع قطار الحل السياسي من الانطلاق، والحيلولة ما بين سورية والاستقرار، مع العلم أن ديمستورا نفسه كان قد طالب أولئك الواهمين بأن يتحلوا بشيء من الواقعية وأن يعترفوا بأنهم خسروا الحرب قبل أن ينقلب على ما أعلنه ويشارك في جوقة الدعوة لـ«ممارسة الضغوط» على سورية، ومع العلم أن سورية تفرض استقرارها بصمودها وانتصاراتها وإدارتها الحكيمة للمواجهة، ولا تنتظره كهبة من أحد، وربما تستطيع الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية وأدواتها الداخلية أن ترتكب الأعمال الإرهابية في سورية، لكن يخطئ كثيراً من يظن أن تهديد سورية بالإرهاب يمكن أن يدفعها للتنازل أمامه سياسياً، بل إن هذا النمط البلطجي نفسه في التعامل مع محادثات جنيف يؤكد أولوية وضع حزمة محاربة الإرهاب قبل أي حزمة أخرى في محادثات جنيف وفي التعاطي مع الشأن السوري عموماً، إذ لا حل سياسياً في سورية قبل التخلص من مشكلة الإرهاب.
الإرهابيون الكبار يحاولون أن يقطفوا بالسياسة ما عجزوا عبر الإرهابيين الصغار عن نيله في الميدان، ملوّحين بإعادة إنتاج الإرهاب من جديد، وهم يرسمون «خطوطاً حمر» وهمية «شرق الفرات» وكأن سورية تقع على نهر المسيسيبي، ويتبجحون بأن وجودهم كقوة غازية في سورية يهدف لـ«فرض تنازلات» على سورية وحلفائها في جنيف، فرنسا من جهتها، انضمت للولايات المتحدة وديمستورا في «لوم سورية» على فشل الجولة الثامنة من محادثات جنيف وكأنها تحاول اللحاق بقطار العمر الاستعماري الضائع فيما تسميه «الشرق الأدنى» فطفقت تزايد على الجميع في انتقاد سورية لعل العالم يعترف لها بـ«حصة ما من العكعكة»، وبأنها «تمثل مرجعية ما في بلاد الشام»، كما فعلت في ليبيا عام 2011 لتثبت نفسها «كمرجعية» فيما يتصل بالمغرب العربي، وكما فعلت هي وبريطانيا وعدد من الدول الغربية في دعم الإرهاب في سورية طوال السنوات الفائتة، ولكنه عَشَم إبليس بالجنة، فإذا كان العم سام يتبع سياسات تعويضية في سورية تقوم على مبدأ «تخفيف الخسائر»، ولاسيما بعد فشل مشروع الانفصال الكردي شمال العراق والضربات القاصمة التي تلقتها العصابات الإرهابية، فإن المراهنة على التهويش الأمريكي هي الوهم بعينه، لكن الوهم يصبح في حد ذاته جائزة تعويضية عن الفشل.
لهذا كله لم تسارعْ سورية لإعلان النصر الناجز الذي لن يكون قد تحقق حتى تعود كل بقعة من بقاع الجغرافيا السورية إلى كنف الدولة العربية السورية، وإذا كانت معالم المعركة واضحة في محافظة إدلب، وما يتصل بها من أرياف المحافظات الأخرى، ضد تجمعٍ من الجماعات الإرهابية عاث فساداً في الأرض وولغ في الاقتتال الداخلي وإرهاب الناس، وضد مشروع التمدد العثماني، فإن المعركة لاسترجاع الرقة وغيرها ما يخضع «للانتداب» الأمريكي فعلياً يتضمن ظروفاً أكثر تعقيداً لأنها تظل مفتوحة على خطر نشوء مواجهة شاملة ما بين الولايات المتحدة وأدواتها من جهة، وسورية وحلفائها من جهة أخرى، وهو ما يتطلب إدارة أكثر حذراً للمواجهة بكل أبعادها السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية.

* كاتب من الأردن

print