ت- وائل خليفة
برسائل وطنية وعربية مدعّمة بالقيم الأخلاقية والدينية انطلقت فعاليات الملتقى الحواري الفكري الوطني بعنوان المواطنة والعروبة والقدس الشريف في ظل الرسالات السماوية والفقه الدستوري والمبادئ الدولية، وذلك بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف وعيد الميلاد المجيد، الذي أقامه مجمع الفتح الإسلامي فرع جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية، برعاية وزارة الأوقاف، وبالتعاون مع بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، وبمشاركة عدد من علماء الشريعة الإسلامية ورجال الدين المسيحي وأكاديميين من رجال العلم والقانون والفكر والثقافة والتربية، وبحضور وزير الأوقاف الدكتور محمد عبد الستار السيد وعدد من السفراء وأعضاء مجلس الشعب.
الجلسة الافتتاحية بدأت بعد تلاوة قصيرة من القرآن الكريم بالوقوف دقيقة صمت على أرواح شهدائنا الأبرار ومن ثم النشيد العربي السوري، وافتتح الملتقى بكلمة لضيف الشرف الدكتور عبد اللطيف عمران مدير عام دار البعث للصحافة والطباعة والنشر، الذي تحدث عن أهمية الملتقى وخاصة في اختيار مسألة المواطنة لما لها من أهمية، من حيث أن إعلاء شأن المواطنة يعري المتطرفين والإرهابيين والتكفيريين ومشغليهم ويحرجهم وطنياً وتاريخياً، لأن المواطنة بمنطق العلم هي تفضيل الارتباط بالوطن على سائر الانتماءات الأخرى الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية وغيرها.. وأوضح أن المواطنة هي الالتزام بواجب خدمة الوطن مقابل تمتع جميع المواطنين بالحريات التي يكفلها القانون والدستور، فهي مفهوم مدني وحضاري أصيل لا يتعارض مع القيم الدينية، وأنه من منطق العلم والقانون فإن العصابات التي تتمرد على مفهوم المواطنة تقوم بجرم موصوف يعاقب عليه القانون، مشيراً إلى أن أهمية هذا الملتقى الفكري الحواري في المساهمة بنسف مؤامرة كبيرة تسعى لغرس ادعاءات هادمة مزيفة في نفوس شعوب المنطقة، وقال: نحن كأكاديميين وأحزاب وطنية تقدمية وإعلاميين نرى في المؤسسات الدينية حليفاً ونصيراً ورفاق درب، ونعمل معاً على التأكيد أن الهوية الدينية (سواء إسلامية أو مسيحية) هي نفسها الهوية الوطنية وتجمعها الهوية العربية، والتي تعدّ مستهدفة من قبل ثقافة الارتزاق التي يجب محاربتها بكل عزم.
وفي كلمة بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس ألقاها المطران متى الخوري النائب البطريركي للسريان الأورثوذكس، بالنيابة عن البطريرك إغناطيوس أفرام الثاني الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية في العالم، الذي تحدث عن الضمانة الكبرى في تطهير أرضنا من الإرهاب، وهي الاستمرار في التضامن بين المسلمين والمسيحيين والعمل معاً لدحض فكرة التباعد والانقسام التي يعمل الإرهاب على ترويجها، وإعطاء العالم أجمع صورة عن كيف يكون في الوطن الواحد خلفيات دينية ومذهبية متعددة.
وأوضح الخوري أنه رغم الحرب الكونية التي خاضتها سورية في السنوات الماضية ظلت فلسطين الحبيبة محط أنظار سورية قيادةً وشعباً، مع أنه يمكن القول إن هذه الحرب ما كانت لتكون لو تنازلت سورية عن القضية الفلسطينية وعن أراضي الجولان المحتلة، ولكن نتيجة انتصار سورية وعودة الاستقرار الأمني تدريجياً إلى المنطقة، تهور الرئيس الأمريكي في إصدار قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس، ولكنه كما خسر في غيرها سيخسر في هذه أيضاً، فالقدس هي العاصمة الأبدية لدولة فلسطين بتضحية أبنائها ودعم كل الدول والشعوب الصديقة وبنصر مؤزر من الله تعالى.
وفي كلمة مجمع الفتح الإسلامي فرع جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية ألقاها الشيخ الدكتور حسام الدين فرفور رئيس المجمع، أكد أن هذا الملتقى كان ضرورة حتمية في الفترة الراهنة لأن سورية بعد هذه الأزمة كان لابد من أن توحد تحت أمر مهم عظيم، ولا يوجد أهم من مسألة المواطنة التي تحفظ العقائد والشرائع والحريات وتقيم التوازن بين الحقوق والواجبات، فهي الكفيل الوحيد وخاصةً أنها جاءت بها الرسائل السماوية، فالمواطنة المرجع الذي يكفل الإيمان (الإسلام والمسيحية) والعروبة، مضيفاً: بخصوص القدس الشريف فهي كما حمل شعار الملتقى (القدس الشريف المبتدى والمنتهى والبوصلة ومعركة الوجود والمصير)، فلا وجود لعروبة ولا لإسلام أو مسيحية ما لم يكن القدس الشريف عاصمة عربية لدولة فلسطين.
مبيناً أننا في سورية نقيم النشاط تلو النشاط لنجاهر بعروبتنا وإسلامنا ومسيحيتنا وسوريتنا، ونكون قدوة للعالم كله في التآخي والنسيج المشترك ضمن هذه الأطياف المختلفة الذين يجمعهم الإيمان والمواطنة.
راعي الحفل وزير الأوقاف الشيخ الدكتور محمد عبد الستار السيد رئيس مجلس أمناء جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية، أوضح أن أهم أسباب قيام هذا الملتقى أنه بعد الخطاب التاريخي الأخير للسيد الرئيس بشار الأسد علينا أن نتدارس الأفكار التي عرضها سيادته وأن نجعلها مناهج وبرنامج للعلماء والمفكرين المتدينين وغير المتدينين ولكل أطياف الشعب السوري، وتم اختيار عنوان للملتقى (المواطنة والعروبة والقدس الشريف) لأن الطريق إلى القدس لابد لها من مرتكزات ونهضة فكرية، وكرجال دين مسيحي وعلماء دين إسلامي نؤكد على المرتكزات التي وضعها سيد الوطن؛ ومنها (العروبة ليست لغة وإنما حضارة وثقافة وانتماء)، و(التفريق بين الانتماء للوطن والانتماء للنظام السياسي) وهذه المرتكزات يجب أن تُدرّس وأن نجعلها أمانة في أعناقنا بحبنا لأوطاننا، ونحن كرجال علم ودين نعتز بمواطنتنا لأن حب الوطن من الإيمان.
وأضاف: أما القدس الشريف الذي نحن اليوم نئن بسبب تصرفات أعداء الإسلام والمسيحية، وأفعال الصهاينة المجرمين العنصريين، إلا أننا يجب أن نعبر بأقوالنا وأن نشحذ الهمم لأن القدس عائدة عائدة، ولا يمكن لأي دولة في العالم أن تغير تاريخ وقدسية تلك المدينة، وستبقى البوصلة لكل مسلم ومسيحي.

print