هي بضعة كيلومترات فقط، المسافة التي كانت تعنون اغترابي المؤقت عن دمشق الخاطر «ومن يعفور» كان طريق الرجوع.
منظر الدمشق ساحرٌ ليلاً، وإضاءة «شارة مرور» المزة كانت تتبادل غمز الضوء مع فلاشر سيارتي وكأنها تقول «دمشق ترحب بك».. زحمة الطريق وضجيج الحياة رغم الحرب جعلا عيني تذرفان الدمع، لأقع فريسة تعليقات طفلي: ما أصعب حياة الشعراء!.
واستحضروا لي مع المناديل لوحة من مسلسل ضيعة ضايعة، شبهوني فيها بالمبدع «جودي» الذي لم تدم غربته عن ضيعته سوى دورتين لدولاب «الهوب هوب» لينحني على الأرض بعد مهاتفة المهندس أخيه لـ«صالح الدكنجي» يخبره فيها بفشل مشروع الغربة وهو يقول باكيا: «تخروا..تخروا.. بدي بوس تراب الوطن».
لوحة جودي أبو خميس ولوحة غربتي المؤقتة أيقظتهما من باطنتي صور عودة أول عائلة سورية لاجئة من ألمانيا.
واستطعت لحظتها تقمص مشاعرهم والتنبؤ بسلوكيات مابعد وصولهم مطار دمشق الدولي وصرت أزفر معهم بسرعة الشهيق والزفير لاستحوذ على الأوكسجين الدمشقي وأؤجل عملية ذرف الدموع، حيث أحتاج حدقة عيني لتستوعب ألبوم صور كاملة عن شوارع المدينة والأزقة والجدران وسماء جرمانا وطريق المطار..
من ألمانيا كان خط سير العودة لأول عائلة سورية لاجئة وفعل الرجوع لن يكون رقماً صحيحاً واحدا بل سيتعداه بالمراتب تقديم العشرات والمئات على آحاد عائلة واحدة.
لأن سورية القاسيون تعيش الخاطر قبل أن تستقر بشهادة الميلاد وخانة القيد وجواز العبور.
«تخروا لبوس تراب الوطن».. جملة سيكررها كثيرون وننتظرها منهم بفارغ الحلم، من الطبيب والمهندس والتاجر.. الذين غابوا وعلقوا على أبواب عيادتهم ومكاتبهم جملة: «سنعود بعد قليل».
لأننا سوريون نعاني انفصاماً مشروعاً، أينما كنا، يعيش الوطن في جوارحنا، ولابد سيأتي يوم قريب يعود فيه كل المغتربين، لذلك بيّضوا الفال لمقال أزعم أنه يتنبأ بالمعلوم.

print