تأتي المنظومات الفكرية في تراتبية الفعل الفكري بعد مرحلتي جمع المعلومات – وما تتضمنه من البحث- ومرحلة التثقيف، بمعنى وزن هذه المعلومات أو تكييفها لتتم الاستفادة منها وفق المنظومات الفكرية.
كثيرة هي المنظومات الفكرية في «بلادنا» لكنها ليست بالكثرة الفائضة عن الحاجة –حاجة المجتمع- و ليست بالكثرة الوافية لإحداث فارق أو فعل فكري، وربما يمكن القول إنها قليلة إذا نظرنا إليها من زاوية أثرها، لدرجة يمكن نفي وجود منظومات فكرية منذ القرن التاسع عشر الميلادي .. أو ربما مما قبل ذلك!.
قد يقول البعض: إن الدين هو إحدى المنظومات الفكرية التي أثرت في العقلية الاجتماعية، وهذا صحيح لكن تأثيره جاء عبر التراكم الزمني.
بعد بداية القرن التاسع عشر دخلت منظومات فكرية متعددة منها «القومية أو الأممية، المادية أو الروحية، الفردية أو الاجتماعية»، وقد وصلت إلى البلاد أو نبتت فيها لكنها لم تفعل الفعل الذي يمكن أن يغير «وجه التاريخ»، ولم يتعامل من تبنى هذه المنظومات أو من رفضها أو ناصبها العداء، كل الأطراف لم يتعامل مع هذه المنظومات إلا وفق عقلية التحزب والتعصب تماماً كما في العقلية أو العصبية الطائفية أو العرقية، من دون مراعاة أن هذه المنظومات تتعامل بالفكر والعقل والثقافة والبناء!، وبدل أن تتحول هذه المنظومات الفكرية إلى موازين عقلية تبحث في المعرفة في محاولة لتأسيس وتأصيل نظريتها للمعرفة «مصادرها و مجال تكوينها و بحثها» وصولاً إلى نظرة جديدة في الحياة للحياة وفي الكون للكون وفي الإنسان للإنسان… أقول بدلاً من هذا صارت المنظومات الفكرية أشبه بمكتبات حجرية بمقاييس محددة سلفاً يتم على أساسها ترتيب المعلومات على مقاس «رفوفها»، فإن جاءت المعلومات على مقاس الرف «بشكل كتاب» فهذا يناسب، أما إن جاء الكتاب بمقياس أكبر من مقاييس الرف فيتم عندها قص الكتاب ليناسب مقياس المكتبة من دون كثير اهتمام بالمعرفة المهملة في القص ذاك! ما أعادها إلى الإطار النظري، و بدلاً من أن تفعل تراجعت لتصبح نظرية يثبتها محازبوها و ينقضها مناوئوها.
ما كتبه جبران خليل جبران عن لقاء يسوع الناصري مع يسوع النصارى يصلح أن يكون لكل المنظومات الفكرية باستبدال يسوع النصارى باسم المشرع والمقبلين على دعوته في كل المنظومات الفكرية.
كتب جبران خليل جبران: مرة في كل مئة سنة يلتقي يسوع الناصري بيسوع النصارى في حديقة بين جبال لبنان، فيتحادثان طويلاً، وفي كل مرة ينصرف يسوع الناصري وهو يقول ليسوع النصارى: أخشى يا صاحبي أننا لن نتفق أبداً أبداً.

print