ضجيج آلة الحفر ذات الضغط الهيدروليكي يخرق الأعصاب، ولوهلة يتوقف الهدير.. فأظن أن الأمر تم، والعمال، وآلتهم، على وشك الرحيل… لكن الآلة تعاود العمل من جديد.. وأنا أحاول عبثاً البدء بكتابة هذه الزاوية… وثمة حل.. أن أحمل أوراقي، وأمضي إلى أقرب نقطة هادئة، كي أكتب… وأقرب نقطة هادئة غير موجودة إلا في الخيال.. وفي عليتي الريفية، حيث يفترض أنني في ريف رومانسي غارق في الهدوء، ثمة مرور صاخب لدراجات نارية، بمعدل دراجتين في الدقيقة… ففي القرى، أو البلدات التي اتسعت مساحاتها، اندثرت المواصلات التقليدية، من حمير، أو بغال مجدية.. ناهيك بأن الكثير من البلديات، تحت ضغط الحداثة، منعت وجود الزرائب داخل الكتل السكنية.. وصار على الفلاح أن يزرب دابته في حقله… وعليه أن يذهب إليها كل صباح، ثم يحمّلها بمنتوج زرعه، فينقله إلى السوق، ثم يعيد الدابة إلى الحقل، ويرجع إلى بيته مشياً على الأقدام!.. الأسهل، والأوفر، والأسرع، والأرخص، هو اقتناء دراجة نارية..
ويظن المرء الساكن في المدينة، أو في الريف، أنه سيتعوّد على الضجيج، تماماً مثلما يتعود الطحّان على ضجيج رحَى المطحنة، وقد يغفو على هذا الضجيج، ويستيقظ حين توقِّفه..
وأظن أيضاً أن الضجيج يتراكم في مكان ما من الجسد.. أو في الجسد كله، وقد يصل حد الإشباع، أو حد الأذيّة.. أو يصل إلى حدود الانفجار العصبي، أو ما يعرف بالتلوث.. ومن أمثلة تجلياته على أرض الواقع، أن أي تصادم بين سيارتين ولو باحتكاك بسيط، يجعل من رجلين محسوبين على العقلاء يتشاتمان، وقد يترجلان ويتضاربان، ويجتمع حولهما المارة لفض المعركة بين الخصمين حين تصل إلى الاشتباك الجسدي، وربما الدموي.. والخصمان يودّان حل المشكلة على طريقة صراع الديكة الذي ينتهي بديك قتيل، وديك لم يعد قادراً إلا على دجاجاته..
والواضح أن المشكلة لن تصل إلى هذه الحدود، لأن الضابطة المرورية ستصل قبل حسم المعركة بين (الديكين)، بعد اتصال من أحد أولاد الحلال.. الحريصين على أمن المواصلات.. حيث ستقرر الضابطة حسم المعركة والعودة إلى ضجيج آلة الحفر الذي لا يزال يحفر الأعصاب والأرض… وأنا أحاول كتابة زاوية هادئة… وأرسم في مناماتي شاطئاً لازوردياً فوق أوراقي.. وأكتب: إن كل زرقة البحار المرسومة فوق أمواج البحار، لن تستطيع تبليل ريشة بلبل واحد…

print