ت-محمد فندي
يخوض مصمم الإضاءة بسام حميدي تجربته الإخراجية الأولى من خلال عرض «ضوى القمر» الذي حمل توقيعه على خشبة مسرح الحمراء فكرةً ورؤىً بصرية، محاولاً أن يقدِّم تصوُّراً عن المحتوى المسرحي الحديث الذي انتقل من مجرد كونه نصاً تقليدياً، إلى نص بصري مُركَّب يندمج فيه النص اللغوي مع السينوغرافي مع الموسيقي والكريوغرافي واللوني… وما يفرضه ذلك من تغير ملحوظ على فهم المسرح ككل وتوجيه جمالياته وعاطفته وأسلوب سرده وما إلى هنالك إلى ما يُسمى بـ«المسرح البصري».
وبما أن ذاك النوع من الدراما المسرحية «ليست خطاباً مادياً منطقياً، بل فكراً يعلن بوسائله الغرائبية في التعبير عن اللامنطق الذي يكشف في بحثه وحركته وتشكيله بناءً جديداً يفلسف المتلقي الحياة من خلاله» كما يرى الكثير من نُقاد المسرح الحديث، فإن حميدي بتجريبيته في هذا العرض زاوج بين الغرافيك ثلاثي الأبعاد والممثلة ميريانا معلولي على الخشبة خلف شاشة شفافة، ليأخذنا معها برحلة عبر حارات الشام، وحدائقها، وجعلها تُداعِب حصاناً وتلعب مع الفراشات وعلى أرجوحة، ثم رافقناها إلى منزلها الذي تحوَّل إلى رُكام إثر قذيفة ضعضعت أركانه، وصوَّر بعد ذلك دمار البيوت وحرائقها المديدة، ومنها انطلق إلى كواكب المجموعة الشمسية ولاسيما المُشتري بهالته الحمراء، ثم وبسقطة واحدة يُغْرِق ممثلته في أعماق البحر، وبعد ذلك يجعلها تتمشى على الشاطئ حاملةً الطفل السوري الغريق «إلان» الذي تحوَّل إلى دمية بدأت تُراقصها لتتوالى بعدها صُوَر أطفال الحرب، بينما الممثلة معلَّقة بحبال أمام الشاشة هذه المرة كالمغلوبة على أمرها، ورغم الغرائبية في هذه التَّحولات في الفضاء المكاني، والرَّغبة في تحقيق قصب السَّبق في المواءمة بين جسد الممثل الحي والصُّوَر المُحيطة بها، إلا أن فضاء الصورة في عروض كهذه يحتاج إلى انتقاءات وانتقالات تفسيرية تعتمد على فعل ذهني يركب المادة الصورية المشكلة في المساحات المطلقة ويخلق من ترابطها المغزى العام، وفي «ضوى القمر» كان ثمة فائض من التجريبية على حساب المعنى، فضلاً عن أن الصُّوَر الغرافيكية المنتقاة لم تكن بمستوى جمالي عالٍ، إلى جانب الكثير من الأخطاء المُتعلِّقة بتناسب الحجوم، من دون أن نُغفِل السُّرعة غير المُبررة في تغيير المناخات الصوتية من أغنيات فيروز الصباحية إلى «جنو نطو» وغيرها من أغنيات الكراجات، أضف إلى ذلك عدم ضبط السُّرعة والإيقاع الحركي السليم للممثلة مع تغير المشهد الذي كانت معلولي تُشكِّل أحد معالمه الرئيسة، فبينما هي تمشي الهوينى نجد أن الشارع تحت قدميها يُسرِع في الابتعاد، بمعنى أن هناك تعاملاً غير صحيح مع الجسد وتحولات الأشياء كمفردة بصرية ديناميكية، ما أساء لخلق الصورة المعبّرة ضمن هذا الأسلوب الفني المعاصر، خاصةً أن التغير البصري السريع نسبياً في الفضاء المكاني لم يُشكِّل عاملاً أساسياً في دفع الزَّمن المسرحي نحو الأمام، بسبب عدم انسجام الوحدات الغرافيكية المختلفة، فلا سلاسة في الانتقالات، ما لم يسمح بتعزيز الحالة الشعورية في الارتباط مع ما تعيشه الممثلة، خاصةً أنها خرجت بكامل أناقتها بعد تدمير بيتها بالكامل، وفي هذا تجاوز لأي منطق يمكن القبول به حتى في أكثر العروض سرياليةً، إذ يبدو أن المخرج حميدي تعامل مع مسرحه البصري برومانسية زائدة، بما في ذلك الأغنية التي حملت عنوان العرض وهي كلمات وألحان أيمن زرقان ويقول فيها: «ضوى القمر بيوت الناس السهرانه.. وغيمات مسافره وحزنانه.. لمين بدّي أحكي؟ ولمين بدّي اشكي؟ صار الوطن جواتي.. والبيت شنطة سفر»، بينما كان المطلوب منه إثراء المعنى وإغناءه درامياً، وتوظيف أهمّ للنص المُركَّب والكثيف في خدمة ما يُريد قوله، وهذا لا يتحقق إلا بتكاتف جميل لعناصر مشهديته مع بعضها، وقد تحقق ذلك تماماً بصورة جمالية عالية ودِقة في التنفيذ بصرياً وسمعياً في مشهد إغراق الممثلة وجعلها تسبح مع حيوانات البحر، بينما أفلت ذاك الانضباط في جزء كبير من تفاصيل العرض الذي استمر ثلث ساعة، حيث لم يمتلك المخرج القدرة على التَّحكُّم بالتوزيع التشكيلي البصري وتوظيفه دلالياً وجمالياً، وتالياً لم يتمكن من بناء صورة تعبيرية حية بدل الصيغة الكرتونية التي ظهرت بها بعض المشاهد، من دون أن يعني ذلك أنه لم ينجح في خلق الكثير من الدَّهشة لدى جمهور لم يعتد كثيراً على صيغة المسرح البصري.
bsnaij@yahoo.com

print