عُرف المجتمع السوري بتنوعه من حيث الأعراق والديانات والمذاهب، ولم يكن هذا التنوع في أي يوم مصدر أزمة بل على العكس كان مصدر قوة وثراء لسورية والسوريين.
لكن وخلال سنوات الحرب الإرهابية على سورية وتسلل الكثير من المصطلحات المغرضة، وظهور بعض الأفكار والممارسات الغريبة عن طبيعة هذا المجتمع من قبل نخب ثقافية وسياسيين بات الوقوف عند بعض المفاهيم ومقاربتها واقعياً أمراً ملحاً وفوق هذا كله برزت أهمية وضرورة حب الوطن، وتعميق مفهومي الولاء والمواطنة.
بداية يمكننا تصور مفاهيم الانتماء والولاء والمواطنة وعلاقاتها مع بعضها البعض بمثلث قاعدته الولاء كفعل لا إرادي، وضلعاه الآخران الانتماء والمواطنة كفعلين إراديين.

علاقة مقدسة

الوطن ليس قطعة من الأرض، أو مساحة جغرافيا فحسب، بل مجموعة العواطف والأحاسيس والانفعالات والمشاعر تجاه هذه الأرض، والتي يعيشها المواطن وتمتدّ من اللحظة الراهنة الى الماضي وإلى المستقبل.
والوطن بهذا المفهوم هو امتزاج التاريخ بالجغرافيا، واقتران كل منهما بالآخر، حيث تغدو كل حبّة تراب من أرض الوطن حكاية تاريخ تحفظ وتروي أمجاد الأسلاف من الآباء والأجداد وما صنعوا من حضارة، وما تركوا من تراث.
ومن هنا ينبغي أن تكون علاقة المواطن بالوطن علاقةَ ولاء وانتماء واعتزاز، تصل إلى حدّ التقديس، وهذا ما يسمّى الوطنية.
من هنا أيضاً فإن العلاقة بين المواطن والوطن بعيدة عن الاستغلال وهي حالة من التماهي والانتماء، فإما أن تكون موجودة أو لا تكون، إنها النبتة التي يصعب زرعها ولا توجد مواسم خاصة لتجذرها ونموها، فإما أن يكون الانتماء للوطن أو لا يكون.
وعليه تتطلب الوطنية الحفاظ على وحدة التراب الوطني والدفاع عن الوطن والاستشهاد في سبيله، وتقديم مصلحة الوطن على المصلحة الفردية أو الذاتية أو النفعية.
ولا تقتصر الوطنية على ما سبق، بل تتطلب كذلك القيام بالفعل الإيجابي، وهو العمل على تحقيق قوة الوطن ومنعته وازدهاره وتقدّمه، حيث لا يكتفي المواطن بالعيش على الموروث الحضاري لوطنه، بل عليه أن يضيف جديداً إلى هذا الموروث، ويعلي البناء الذي أرسى أسسَه الآباءُ والأجداد، لتبقى مسيرة الوطن مستمرة، وشعلته متّقدة.

علاقة مشوهة

قد يولد الفرد في بلد ما ويحمل جنسيته لكنه ليس بالضرورة أن يكون موالياً له بالممارسة.
وإذا كان هناك من يتحدث عن أزمة مواطنة في سورية، فإن المسألة لاتتجسد في غياب المواطنة عن وعي السوريين، بل في محاولات تغييبها، وإيجاد أشكال أخرى من الولاءات إلى المكوّنات والولاءات الفرعية البدائية أكثر مما تعبر عن نزوع وطني حقيقي لدى المواطنين.
لنعترف بأن الكثيرين منا كانوا يعيشون في ظل ازدواجية بالتفكير في الغرف الخاصة والبيوت المغلقة وربما في المجتمعات الصغيرة والكبيرة أيضاً، فكيف لشخص على سبيل المثال يحمل فكراً اشتراكياً أو ماركسياً أو علمانياً وفي داخله نزعة دينية متزمتة؟ أو كيف لمن يحمل الشهادات العلمية العالية أن ينساق مع خطاب طائفي أو فكر متخلف لا وطني؟!
ليس المقصود فرداً بعينه أو جماعة أو طائفة، لكن كل ما ذكر موجود وبائن بوضوح للأسف واليوم بعد سبع سنوات من الحرب على سورية، وإذا كنا جميعاً نقر بأن سورية بكامل ترابها ومائها وسمائها هي وطن نهائي لنا، علينا أن نسارع لبناء هذا الوطن عبر عقد وطني مقدس يكرس ثقافة الانتماء لسورية الوطن فوق أي انتماء آخر لنرسِّخ حال الانسجام في مجتمع آمن ومحصن يضمن مستقبل أولادنا وأحفادنا وإلى الأبد، عندها فقط لا تضيع دماء شهدائنا هدراً ولا تتكرر الأخطاء المميتة وندفع ثمناً غالياً كل عقد من الزمن أو أكثر ونظل نتحسر على ماضي حضارة سورية كانت منارة نور وعلم وإنسانية للعالم كله.
ويجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع وطننا في البحث وبجرأة في الأسباب التي أوصلت مجتمعنا إلى ما نحن فيه، وبتغيير آلية التفكير والتعاطي والتنظير والتخفي خلف الشعارات والخطب والمواعظ الرنانة.
بعد سبع سنوات من الحرب القذرة المفروضة على بلدنا وبعد فاتورة الدم والتدمير والتشريد والهجرة هل باستطاعتنا الاستفادة مما حدث؟ بالتأكيد هذا هو المطلوب، أو الأمانة التي يجب أن تكون برقبة كل سوري، صحيح أن الثمن مرتفع وثقيل لكنه بكل الحالات أقل تكلفة من القبول بالأمر الواقع والركون إلى ما أفرزته الحرب.

الانتماء والولاء

قد يظن البعض أن المفردتين لهما الدلالة نفسها وهذا غير دقيق، فالانتماء ليس مصطلحاً يستخدم في الأغراض السياسية فقط، ولكنه مفهوم فلسفي متحرك، وهو نتاج للعديد من المعطيات والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية في المجتمع. وعليه فإذا كان الانتماء يعمل على بناء وتنمية العلاقات الاجتماعية السليمة، فإن الولاء يعمل على جعل الانتماء واقعاً وحقيقة ثابتة‏‏، ويمثل الولاء المدخل الصحيح للانتماء؛ إذ إنه من دون حدوث الولاء سوف يصبح الانتماء شكلياً أو مظهرياً.
مثال على ذلك، يمكن أن يكون الفرد منتمياً لبلد ما ولكن من دون ولاء له، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يسمى «المعارضات السورية» الخارجية التي دعمت الإرهاب واستقوت بالأطراف الدولية المعادية لتدمير بلدها، ويمكن أن يكون المرء موالياً يدافع عن بلد ما من دون أن يكون منتمياً له.
إذاً الولاء، أعلى وأقوى من الانتماء، وفيه إرادة ورغبة شخصية من الإنسان، وهو ترجمة الشعور بالانتماء على أرضية العمل والسلوك الفردي والجماعي للمواطنين، وبما يعني الإخلاص في العمل للوطن والتفاني من أجله، مع استعداده للتضحية في سبيل ذلك بدمه عندما تقتضي الظروف ذلك.
والولاء لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه ولذلك فهو يخضع لعملية التعلم فالفرد يكتسب الولاء الوطني من بيته أولاً ثم من مدرسته ثم من مجتمعه بأكمله حتى يشعر الفرد بأنه جزء من كل.
ضعف الولاء، بلا شك كارثة قومية؛ فعندما يَضعُف يتحول المواطن إلى فريسة سهلة لكل أنواع التعصب البعيدة عن الشأن العام ومصالح الأمة والوطن.
وإذا كانت هناك ظاهرة ضَعف في الانتماء والولاء لدى الأجيال الجديدة فإن الأمر على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية بمكان، فلابد من التكاتف والتعاون من أجل معالجة هذا الضَّعف؛ حتى لا يودي بثروة الوطن إلى الهاوية.

الواقع يتحدث

هل كل فرد يولد في الوطن ينتمي إليه ولديه ولاء له..؟ الإجابة المنطقية بالمعنى العام، يجب أن تكون كذلك، ولكن بالمعنى الخاص ليس بالضرورة والأمثلة أيضاً حاضرة بخصوص المثالين محل الإشارة حيث برزت بعض الأصوات النشاز التي لا تعدّ بالكم الذي يجعلها تؤثر في الحالة العامة.
تتفق الأدبيات على أن مفهوم المواطنة هو ارتباط الفرد بالمكان الذي ولد فيه فهو وطنه، وفي علم الاجتماع هي علاقة ارتباط بين الفرد والدولة وتتحدد هذه العلاقة من خلال القانون، حيث تنعكس الأنظمة على سلوك وشخصية الفرد.
أيضاً المواطنة شعور وسلوك، شعور الفرد بانتمائه وولائه إلى وطنه وقيادته، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه، ولمعرفة مدى انتماء المرء لوطنه يمكن ذكر بعض أشكال الانتماء إلى الوطن ومنها: الالتزام بالقوانين والقواعد السلوكية، احترام عادات وتقاليد وأعراف المجتمع، الالتزام بالرموز الوطنية، كالنشيد الوطني، والعَلَم، وكل ما يندرج تحت هذه الرموز،الاعتزاز بالوطن، واسمه، ورموزه، في الداخل والخارج. مشاركة أبناء الوطن بأفراحهم وأحزانهم، وفي حالة وطننا سورية ثمة مثالان يبرزان بصورة واضحة هذه المشاعر التي تجلت بوضوح وجميعنا شهود على صدقها وعفويتها ونقصد الالتفاف حول منتخب سورية بكرة القدم، والحزن إثر استشهاد اللواء شرف عصام زهر الدين، ففي كلتا الحالتين كانت الأحاسيس صادقة وعفوية وتعبر عن أرقى أشكال المواطنة والولاء، أما أشكال اللاانتماء للوطن فهي كل ما يتناقض مع ذلك والتمرّد على النظام والمجتمع واللجوء إلى العنف والإرهاب وإشعال فتيل الفتن، والتعاون مع العدو ضدّ مصلحة الوطن.

دليل المواطنة

الرابطة السورية للمواطنة، وفي كتاب «دليل المواطنة» الصادر عام 2016 تقول: «إن مفهوم المواطنة اكتسب أهمية متزايدة في الأدبيات والحوارات منذ انطلاقة ما بات يعرف بـ «الربيع العربي»، وحظيت المواطنة وقضاياها بالكثير من الاهتمام وهذا ما يؤكد الكم الهائل من الوثائق التي تتناولها، لكن هذا كله لم يوفر فرصة حقيقية لفهم المواطنة ولا لمعرفة الرابط بينها وبين القضايا المرتبطة بها، وهو ما زاد من حالة العوز التي تعانيها المواطنة في العالم العربي وكرس الفصل بين المصطلح ودلالته ليزيد أكثر في الفوضى الدلالية، وهذا ما أوجد الضرورة الملحة لأن تقوم جهة معينة بالتصدي لهذه المسؤولية وذلك من خلال وضع دليل يعرف بالمواطنة ومبادئها وأهم قضاياها ويقدم منهجاً عملياً».
وحسب الرابطة فإن التعريف الأمثل لمفهوم المواطنة هو: «إنها وضع يميز العلاقات القائمة بين المواطن من جهة والدولة (أو المؤسسات)، والمجتمع (المواطنين الآخرين)، والفضاء (مجال العيش) من جهة اخرى ، وهو وضع يقوم على مبادئ راسخة، وفي هذا السياق طبقت الرابطة مواد الكتاب في ورَشها التدريبية حول مفهوم المواطنة وأسسها وقيمها وقضاياها، كما استفادت من التجارب العملية، التي كانت تجري في تلك الورش، في صياغة القسم العملي من الدليل.

كريدي: عقد اجتماعي جديد

وترى ميس كريدي المتحدثة الرسمية باسم «الجبهة السورية الديمقراطية» المعارضة أن الانتماء عملية معرفية ترتبط بتطور علاقة الفرد مع التاريخ والجغرافيا والنظريات.. تبنى نظريات الانتماء على قاعدة التأثير في الشخصية وتتحدد الولاءات بناء على طبيعة الانتماء… ولهذا لا يمكن أن نفترض تطور الأداء الاجتماعي من دون أهداف وهذا عبر التاريخ.. ترتبط عملية إقناع الناس بالانتماء مع قاعدة المصالح الاقتصادية التي تحدد السياسات.. حتى يكون الانتماء راسخاً وقابلاً لإنتاج الولاء الذي يشكل عامل حماية للمجتمع والدولة بإنشاء قوة دفاعية مضادة لأي محاولة لاختراق الدولة.. وعلى هذا الأساس تم الاعتماد لفترات وحقب تاريخية على السطوة الدينية من الوثنية وحتى الديانات السماوية.. ولكن أول عملية تبلور للدولة الوطنية في تاريخ المنطقة كانت وفق ثنائية العروبة والإسلام عندما تم تأطير الدولة ضمن نسق الانتماء العروبي والإسلامي على يد معاوية بن أبي سفيان وبقيت هذه الحالة المثلى لتلبية مثلث الطموحات القابل للبقاء والتماسك بمعادلة قوية تضمن وجود كل المكونات وارتباطها وولاءاتها، فالعروبة جامع لشعوب المنطقة بمختلف انتماءاتها الدينية والإثنية والإسلام ضمانتها.. قد يعدّ البعض أن علينا التقاط أفكار تبنى على إزاحة الدين والعرق ولكن هذا خروج عن الواقعية فالدولة العربية في عهد معاوية فصلت الدين عن الدولة من دون أن تناصب مساحات البشر القادمة مع الفتوحات والتي حملت معاوية نفسه إلى السلطة العداء لأن السياسة تلتقط تحالف المصالح الشعبية اقتصادياً لتنتج على أساسها السياسة وبرديف ديني يعزز الانتماء في روحانية الشعوب خاصة، وهي شعوب مازال الايمان لاعباً رئيساً في تحديد أمانيها وأحلامها وصبرها.. وصيرورة التاريخ الاقتصادية هي التي تدعم الانتماء مع الوقت ولكن الولاء سياسي وديني حتى تتبلور المواطنة الخالصة القائمة على الحقوق والواجبات ولابد من روابط مجتمعية جمعية تمهيداً لتطور العقد الاجتماعي.. والأهم ألاّ تؤثر علمانيتنا كأفراد في قدرتنا على قراءة الواقع.

الكل مسؤول

لا يمكن تبرئة النخب السياسية والثقافية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني من المسؤولية عما آلت إليه الحال، فلم يُظهر الخطاب الثقافي والسياسي للمعارضة والكثير من النخب السورية رغبة جادة في محاصرة وتفكيك الإشكاليات الناجمة عن هذه المرحلة، فالحديث عن سلبيات المرحلة السابقة لا يوازيه مشروع ثقافي واضح المعالم والأهداف والآليات، ولم يتأطر ضمن مشروع سياسي أو ثقافي ممنهج يهدف إلى تشخيص الظواهر ووضع آليات ووسائل لحلها.
إن استفحال العنف وشيوع التطرف والتعصب الديني والمذهبي، والارتكاس إلى الحواضن الاجتماعية البدائية، كلها ظواهر معيقة لأي تحول اجتماعي ديمقراطي، وهي في مجملها تعبير عن غياب حقيقي لمشروع أو مشاريع ثقافية تعمل على التأسيس لوعي اجتماعي يتقوّم على قيم الحرية والكرامة والتسامح وحقوق الإنسان.
إن مقاومة التطرف الديني والمذهبي والعنف والنزعات الطائفية وغياب قيم التآلف الاجتماعي لا يمكن علاجها بعنف مضاد أو بطائفية مضادة،أو بالمزيد من تشكيل الفصائل العسكرية ذات الأجندات المشبوهة، بل بالعمل الدؤوب والمنظم على استيعاب جميع الجهود الثقافية والسياسية في برنامج وطني واضح المعالم والأهداف يعمل من خلاله الجميع على صياغة عقد اجتماعي يحظى بقبول السوريين ويلبي تطلعاتهم ويحقق مصالحهم، ليكون أفقاً يمكّننا من العبور إلى سورية الوطن.

الانتصار بقداسة

المواطنة، أكثر من أي وقت مضى، مفهوم جوهري لبناء سورية وطناً لكل مواطنيه، فقد عاشت سورية شكلاً فريداً من التمازج والانصهار في وقت كانت دول عربية قريبة منا تغرق في التفاصيل الإثنية التي لم تكن الأذن السورية تألفها بل تستنكرها، وليس من المبالغة القول: إن هذا سبب من أسباب الحرب على سورية اليوم.
والسؤال: كيف يمكن تكريس الحالة الوطنية في سورية ونقلها من الإطار النظري إلى الواقع العملي الملموس وتنشئة الأجيال الجديدة على الهوية السورية المتنوعة ضمن إطار وطني جامع.؟
المرحلة القادمة تستلزم تعزيز الانتماء الوطني والقومي وخاصة أن الأخير تأثر نتيجة الدور الذي لعبته أنظمة عربية في الحرب على سورية وهنا يأتي دور المؤسسات في بناء الجسور مع المواطن الذي هو الغاية والمنطلق وعدم تهميش أي طرف والقضاء على العوامل التي تحدّ من تنامي الحس الوطني.
في ظل الظروف الحالية السائدة على مستوى المنطقة العربية والعالم، نحن بحاجة إلى مراجعة ذاتية وموضوعية، وأن نجسد الانتماء للوطن بكل قيمه المقدسة، نلغي كل ما يتناقض مع ذلك،نعود للقيم التي رضعناها في الطفولة، حب الوطن، التضحية، الاستعداد للعطاء، للمقاومة، هي دعوة للانتماء الحقيقي، فالوطن يبقى، فهو القدسية وفي محرابه تنتهي وتسقط كل الانتماءات الأخرى، فالأرض التي تعمدت بدماء أبنائها، حقها وحق تاريخها وأهلها وحضارتها أن تنتصر وستنتصر.

print