تعددت أشكال النصوص التي قدمها القاصون المشاركون في الملتقى الخامس للقصة القصيرة جداً الذي أقيم في مركز ثقافي كفرسوسة، غير أنّ اللافت هو عودة ملامح السخرية لهذا الفن – القصة – وكنا نظن أن توافر مثل هذا النص الذي يُمكن أن يُعيد البسمة للقارئ قد أصبح أمنية بعيدة.
ذلك أن أغلب ما يُنشر اليوم ليس في مجال القصة القصيرة جداً وحسب، بل على اختلاف الأجناس الأدبية؛ هو اتجاهها صوب التجهم والحزن المُفرط وحتى الوصول إلى مهاوي الولولة. فبعد شبه غياب لفن القصة القصيرة في حدوده المُتعارف عليها؛ غاب معه السرد الساخر الذي كان يجد حامله في جنس القصة القصيرة والتي حملت على كاهلها زرع الابتسامة لزمن طويل على مدار القصص التي تألقت في حضن الصحافة حتى كادت أن تُشكّل أحد الأنواع الصحفية لحينٍ طويلٍ من الزمن قبل أن يحدث الفراق الكبير، ومعه يكاد فن القصة أن ينقرض لولا ولادته من جديد بفن القصة القصيرة جداً الذي لايزال يتوهج منذ تسعينيات القرن العشرين إلى اليوم رغم كثرة إطلاق العصي في عجلاته، والتي أنقذته منها الميديا الجديدة التي وجد فيها حامله الأبهى.
(عملية تجميل… كان زوجٌ لامرأةٍ خارقة الجمال، ومن شدّة غيرته عليها؛ طلب منها إجراء عملية تجميل شرط أن تُشبه فيها صديقتها العانس مها..
صوت طرقات على باب منزلهما.. نهض ليرى من خلفه؛ فوجئ بصديقتها مها التي أصبحت تشبه زوجته بعد عمليات التجميل..
د.أماني محمد ناصر)
هذه السخرية التي شكلت الملمح الأهم لقصص الملتقى؛ كان لها أكثر من أسلوب، يبدأ بالتهكم، والنكتة، وصولاً إلى كوميديا الموقف، أو كما لونّها البعض بالسوداء كما هي عند القاص طلال سليم وسوزان الصعبي على سبيل المثال.
وبالعودة للملتقى الخامس للقصة القصيرة جداً، فقد تنوعت أشكال السرد في الحيّز الضيّق الذي يتسع لكامل العبارة من خلال الكثير من التقنيات كالحذف والإيحاء والإضمار، وما بين استرجاعٍ واستباق وتذكر وتداع، وأحياناً حتى الحوار والمناجاة والتلخيص والوصف، والأخير كان قليلاً، ومن حسن حظ القاصين أنهم اقتصدوا كثيراً فيه، رغم أن بعض النصوص لم تنجُ من الوقوع به. الوصف الذي لا يحتمله النص القصير، ويستعاض عنه بمفردات يكون على عاتقها التصوير، بمعنى، ليس من مهمة هذا الجنس الإبداعي الوصف، وإنما أبرز ملامحه اليوم تقوم على التصوير، والفرق بين المصطلحين ربما يحتاج بعض الإيضاح ليس هنا مجاله؛ لكنه التصوير الذي يأتي بالمشهد من دون إطالة أو حشو..
(مسافة حب… كان جنديٌّ شجاع؛
في آخر معركةٍ.. غدرته قذيفةٌ؛
بترت ساقيه، لكنه سقط واقفاً.. شامخاً.. وصاح:
الآن.. صار قلبي أقرب إليك.. أيتها الأرض.
عبد الوهاب محمد)
هنا تبدو مسألة التصوير أكثر تجلياً بالتصوير الذي لجأ إليه القاص عبد الوهاب محمد بضربة عدسة. وأمر انتقال النص القصصي من الوصف إلى التصوير جيء معه بالنص الرائي والقصة – الفكرة التي تزدهر بحرفة الصياغة والتمكن منها، وهنا مكمن التحدي في نص القصة القصيرة جداً التي تتشابه مع الكثير من النصوص الإبداعية الأخرى، وتُفارقها بإشارات أصبح مُتفقاً عليها لتكون جنساً أدبيا مستقلاً، وهي احتفاظها بالخبر أو الحدث، والخاتمة التي عليها إيجاد الدهشة كمن يسأل: وكيف حصل ذلك؟.
في الحقيقة الكثير من نصوص هذا الملتقى حقق مثل هذا التحدّي بتقديم ما يمكن أن نطلق عليه «النص المفتوح» الذي يضع المتلقي في فضاء التخييل والتأمل.
(نباهة… يصلُ إلى الصحراء، ينزِلُ الشاطئَ عن ظهره.
يرتبهُ إلى الواحة المهجورة، ثم يصنعُ زورقاً
من النخلة الوحيدة.. وينتظرُ الريحَ..
د.محمد ياسين صبيح)
الخبر الذي يأتي به نص القصة القصيرة جداً، لا يحتمل أن يرويه اسمٌ لشخصية، لذلك تغيب الأسماء لمصلحة الضمائر؛ الضمائر الغائبة المنفصلة في أكثر الأحيان والتي تتبادل الأدوار مع «أنا» المستتر في مختلف الأفعال، هذه الضمائر ورغم كل «فرديتها» تفعمُ بـ «أنوات» كثيرة لتصبح (أنا الجماعة) المُعبرة عن قوم وليس فرداً، حيث تأتي رصداً لحالة أو موقف، أو بياناً قصصياً يُندد أو يُحرّض، أو يدعو للتأمل والتفكير. من هنا تتعدد معاني «الإيماض» من ومضة الفكرة، وأحياناً تصير ومضة الحكمة، التي من شيمتها العمق كما مرّ معنا في قصة محمد ياسين صبيح، ومنها ما يُمكن أن نطلق عليه ومضة الإحساس التي تبوح بمشاعر دفينة.
(أوهام… رسم ظله وطيفها على صحراء لوحته، بعد طول انتظار تشققت ألوانها. لملم الإطار زواياه وعاد شجرةً. أسند هيكله العظمي على جذعها، انتهت صلاحية الأحلام.
سمير الحركي)
وفي ذلك الإيماض الذي يأتي كوثبات غزال؛ يُمكن للمرء أن يتلمس القصة – الصورة، وهي أكثر ما يُميز نص القصة القصيرة جداً، بل يُمكن القول إن غاية نصوص هذا النوع الإبداعي الإيغال في المشهدية، وحتى في التصوير، تأخذ المشاهد أشكالاً كثيرة تبدأ من المألوف وصولاً إلى الغرائبي، حتى كاد أن يختزل فاعليته الإبداعية في هذه المشهدية المُدهشة.
ولأن الحيز ضيقاً بعدد الكلمات والأسطر التي عليها أن تأتي ببيت القصيد من دون مشقة أو إطالة؛ كان اشتباك نص القصة القصيرة جداً مع القصيدة، ومن هنا تفسير هذه الشعرية العالية في هذه النصوص حتى كادت أن تلتبس على المتلقي، لكن فائدة الشعرية هنا؛ بالمجاز الذي يُمكن أن يمنح كلمات النص سعة هائلة في أفق التأمل والذهاب بعيداً في التخييل، حتى يُمكن القول إن القصة القصيرة جداً ليست مآلاً لتطور القصة العادية وحسب، بل هي خلاصة اندماج نوعين إبداعيين لنتاج إبداعٍ ثالث اصطلحنا أن نُطلق عليه «الأقصودة» منذ زمن طويل، وما تفسير كثرة الشعراء الذين يكتبون القصة القصيرة جداً إلا تأكيد لما ندّعيه.
(فاتح… «في كلِّ مدينةٍ, اعشق امرأةً يا ولدي.»
تلك كانت وصيّة المغفور له جدّهُ.
و.. هكذا… صارَ الفتى يدخلُ المدنَ من قلوبها».

print