مازال البعض يخطفون أنفاس الجماهير بزرابة ألسنتهم, وبما يلقونه في أسماعهم من أنساق لغوية شفهية تحوز إعجابهم، من غير أن تتحول الأنساق المسموعة (المسجوعة) إلى أنساق مفهومة بالضرورة, بالتوازي مع امتداد الإعجاب بزرابة الألسنة إلى المؤسسات التعليمية الجامعية – العلوم الإنسانية على وجه التخصيص – وما قبل الجامعية، حيث يقرّ في أذهان الطلبة المتلقّين أنّ الأساتذة الذين يلقون مخزونهم المعرفي من الذاكرة، ومن غير استعانة بالتحضير المدون مسبقاً، هم الأساتذة الأفضل على وجه العموم. وفي المقابل، لا يحظى أولئك الذين يعتمدون التحضير المسبق، والمعتمدون على المواد المكتوبة بإعجاب وإجلال موازيين، مهما بدا فرق العائد المعرفي كبيراً بين الطرفين. فمازال مضمون القول الذاهب إلى أنّ العلم في الصدور لا في السطور هو القارّ في أذهان أبناء منطقتنا منذ أزمنة بعيدة.
كان حفظ المعارف في الصدور ضرورة أملتها طبيعة الحياة العربية القديمة التي فرض عليها لجوءها إلى جعل الثقافة الشفهية كليّةَ الثقافة, عاملان رئيسان يتعلق الأوّل بحداثة عهد البشرية عموماً بالكتابة، بالتوازي مع قلة عدد الذين يتقنون هذه الحرفة الحديثة، إلى درجة الندرة في عموم الجزيرة العربية، واقتران ذلك بافتقار المنطقة إلى كتابة موحّدة, الكتابة التي سبقت ظهور الإسلام كانت معروفة ومنتشرة في مختلف بقاع المشرق العربية غير أنّ الخطوط المستعملة في تدوين (اللغة الواحدة) لم تكن خطوطاً واحدة.
ويتعلق الثاني بطبيعة الحياة العربية الأولى التي كانت مبتلاة بالترحال والتطواف الدائمين بحثاً عن الظروف الأنسب للعيش, والصورة النمطية القارّة في معارفنا عن المبتلين بالحلّ المؤقّت والترحال الدائم هي صورة ذلك المرتحل الذي يستطيع تحميل بيته وأثاثه، وممتلكاته جميعها على بعير أو حمار, وهي صورة تقتضي, أوّل ما تقتضي, أن يسعى المشتمَلون بهذه الصورة إلى إنتاج ثقافة يستطيعون الارتحال بها إلى أقصى الأقاصي من غير أن تثقل كواهلهم، وكواهل دوابّهم، فلم يكن أمامهم، والحال هي هذه الحال، سوى إنتاج الثقافة الشفهية، وفي طليعتها شعرنا الغنائي القديم، ولم يكن أمامهم أيضاً، لكيلا يضيع ما أنتجوه من خزين معرفي كبير في تلافيف الاندراس والنسيان، من تبجيل الثقافة المختزنة في الذاكرة وإجلالها أيّما إجلال.
من المستحسن رفد هذه المادة المبسوطة باختصارها المناسب بأمرين، يتعلّق الأوّل بأن معارف منطقتنا المشرقية العربية لم تكن جميعها محفوظة في تلافيف الذاكرة الجمعية فقط. فقد جرى حفظ الكثير الكثير من تلك المعارف الجمّة, والثقافات المتألّقة نقشاً على الأحجار في جنوب الجزيرة العربية وغربها، وعلى الرُقُم الطينية التي نقلت إلينا ملحمة جلجامش قريبة من الكمال، ونقلت إلينا كثيراً من معارف البشرية في كل من سورية والعراق شمال الجزيرة، وعلى ورق البردي, وجدران المعابد في مصر القديمة, لقد كان أجدادنا القدماء واعين, وشديدي الانتباه إلى قيمة التدوين في حفظ المعارف وشتى فروع الثقافة، فتذكر ملحمة جلجامش في مطلعها أن ذلك الذي «رأى كل شيء» قد دوّن جميع ما كان رآه على نصب من الحجر، مع إطلاق دلالة الرؤية إلى مستوييها البصري والذهني.
ويتعلّق الثاني بأنّ معارف العصر الحديث قد تضخّمت، وتشعّبت وتراكمت إلى حدود تعجز عن حفظها أي ذاكرة، ولذلك لم يعد أمامنا أي مفر من قلب مضمون القول المأثور الآنف، لجعل العلم في السطور لا في الصدور. ولا ضير على الإطلاق في أن يحيل المرء بعض معارفه إلى الصدور وآلية التذكّر التي يمكن عدّها بمنزلة الأساس والمنطلق الذي تعتمده آلية التخييل، وممارسة الإبداع، بوصفهما فعاليتين موجبتين. فربما كان غنياً عن البيان أنّ تعميق الأساس ضرورة لكل من يبتغي إقامة بنيان سامق.

print