كَفَّ الانتظار عن إضنائها منذ أدركت أنّها لم تُخلق تحت نجمٍ من نجوم الطّوالع السّعيدة!.
يوم قالت لها صديقتُها ذاتُ الطّبع الناريّ: متى ستستلمين بيتَك الموعود وأجابتها بهدوء: الزّمن لن يخذلني! أطلقت عليها سياطاً من لسانها: ستبقين حيث أنت بينما الزّمن يتجاوزك ولا يلتفت إليك! أعرف أن لا شيء في حياتنا يحصل كما نشتهي لكنّ برودك يستفزّني! لمَ لا تغضبين وتحتجّين وتُرغين وتُزبِدين حتّى تحصُلي على حقوقك؟.
انداح الماضي وراءها، طريقاً طويلاً بلا نهاية وبدت فيه «انتظاراتُها» هي الأخرى بلا نهاية: تقديم طلب وظيفة كانت تستحقُّها بالشّهادة العالية والاختبارات التحريريّة والشّفوية… حافلة نقلٍ على طريق دوليّة، انقطعت فيها ورحل المسافرون، واحداً إثْرَ الآخر في السيّارات العابرة وكلّما غاب واحدٌ منهم قاربت الشّمس غيابَها وهي واقفةٌ لا أحد يقدِّمها على نفسه في الرُّكوب…غائبٌ عزيز تتابعت الشُّهور على غيابه وبقيت ترصد الزّمن لوصول رسالة منه ظنّتها بديهيّة وناجزة… بذورٌ أودعَتْها التّرابَ الهشَّ كي تُطلعَ براعم تزيّن بها عتبة النّافذة القاحلة! هكذا باتت حياتُها محطّاتِ انتظارٍ متراصفة، متواصلة، وكادت تقول لصديقتها إنّ الانتظار يشبه المكان الآمن من العواصف بل اعتادت أن تدخل فيه كما تفعل الخادرة في الشّرنقة لتحمي نفسها حيث يكون الأمل أقوى من الخيبة واليأس، لكنّها لم تقل شيئاً لأنّه من الصّعب أن يهدّئ منطقها جموح شخصيّة قلقة وناريّة!
لو أنّها تلقاها اليوم، هي التي غادرَت منذ انصباب جحيم الحرب الإجراميّة على البشر والحجَر، لقالت لها ما عاد في الحياة شيء صغيرٌ وعابرٌ يستحقُّ الانتظار! لا بيتَ الإسكان ولا الوظيفة المرغوبة ولا رسالة الغائب ولا نبات الأصيص بل انتظارٌ واحدٌ، وحيد، ثبّتَها في محطّة ما عادت تستطيع مغادرة عتَبَتِها بعد رحيل أوّل شهيد تعقله ذاكرتُها وفي تلك اللّحظة سال دمُها مع دمه وهو واقفٌ بقامته الطّويلة، ممسوكٌ بأيدي الوحوش الضّارية، يمزّقونه بالسّيوف ويصخبون ويهلّلون ويكبّرون ويصوّرون، وبعده صارت تُشيح ببصرها عن ثمار الفريز وتلتقط أطراف دمها كي لا تسيل على الطّريق والرّصيف والدّرج القاسي الذي ترتقيه لتلوذ ببيتها المؤقّت الكئيب وتنتظر الشّهيد التّالي! من شهيدُ اليوم؟ ثمّ من شهيدُ السّاعة؟ ثمّ من شهيد الدّقيقة؟ ثم صار الشّهيد لا يمضي وحيداً بل يرتقي معه أجمل الرّجال وأطيبُ النّساء وأبهى الأطفال، وراعها أن تكون لها كلُّ هذه العائلة، الواسعة، الممتدّة، الغالية، التي عاشت بعيدةً عنها مشغولةً بتوافه الحياة، حين صارت تعرف الأسماء والبيوت والوجوه والشّواهد وباقات الزهور والآس وأغنيات الوداع وأمكنة الرّقاد الأبدي على السّفوح التي كانت للزّيتون والغار وأغاني القطاف والحصاد قبل أن تحضن أصحابها إلى يوم النّشور!
صارت الملاحم التي قرأتها في اللّيالي البعيدة ورقاً باهتَ الحروف، وتباعدَت جدران البيت الواسع الفارغ الذي تسكنه لتُطلَّ على الفجر والسكون والنّجوم المرتجفة وعيناها تتأمّلان المدى المفتوح، وسَمْعُها يتهجّس نأمة خَطْو شهيد جديد! وفي ظلّ شجرة خضراء هائلة زرعها الله في وسط أرضه، جذعُها ثابتٌ ورأسها في السّماء، ترى نفسَها، وقرب روحها، قربَ قلبها، قربَ دمها تسمع هسيس ورقة تسقط! تمدُّ يدها لتلمس يخضورها فإذ بالشّمس تعلو بسطوع كانبثاق ينبوع، وتهبُّ في ضلوع الشّجرة وأغصانها وذؤاباتها آلاف بل ملايين الأزهار الوضيئة، يتشظّى معها القلب، ويرتَجُّ السّمْعُ ويهتزّ الكون بأناشيد لم تسمعها يوماً بهذه القوّة وهذا الكمال: قد تذهبون جميعاً لكنّ الشّجرة الباقية! ولتعلمي أنّ من تنتظرينهم لتبكيهم هم سرُّ بقائها واخضرارها وإزهارها وإِثْمارها، فلتكفّي عن الانتظار إلا انتظار ربيعها واندحار القتلة حول سياجها..

print