تفخر الدول بالمساحات الخضراء ووجود الأنهار داخلها, فتستغل أكبر المساحات لتحويلها إلى حدائق، كما تحفر الأنهار والبحيرات الصناعية لأجل تجميل المدن والعواصم, ولا تغطي الدول الأنهار إلا للضرورات القصوى , لكن أن تملك مدينة نهراً ويعد شريانها الرئيس وملهم شعرائها على مر العصور, وفي الوقت نفسه تقوم بتغطيته وتغطية فروعه, فهذا أمر لا شك يعبر عن سوء في فهم وتقدير لقيمة وجود المياه في حياة المدينة وربما سوء إدارة خلال سنوات طويلة !
فمنذ سنوات طويلة اختصرت محافظة دمشق نهر بردى في المدينة بمسافة لا تزيد على /1000/ متر تمتد من ساحة الأمويين إلى جسر فكتوريا، في الوقت الذي كان يدخل بردى إلى كل بيوت دمشق حتى زمن قريب, ففروع بردى كانت تدخل إلى الحدائق المنزلية وتروى منها أشجارها , وما زالت بعض بيوت حي «أبو رمانة» تحتفظ في حدائقها بمجاري مياه بردى، ومازال كتف شارع القنوات حياً تذكره أجيال كثيرة وتذكر قناة المياه المرفوعة فوق الطريق وعلى أكتاف المنازل شاهداً على خريطة مسير بردى وحيويته!
لكن الحضارة الكاذبة غشت أجهزة البلدية فاعتقدت أن تغطية فروع بردى تزيد من تحضر المدينة فتبين بعد سنوات أن المدينة فقدت جمالها ولمستها وحيويتها وصوت صخب مياهها وتحولت إلى كتل بيتونية وشوارع من الإسفلت لا روح فيها, ففيما كان بردى ملهماً للشعراء يتغنون بجماله أصبح اليوم حفرة لا روح فيها تنتظر خير السماء خلال شهرين أو ثلاثة لتعود إلى حالها بلا روح, ومرتعا للقاذورات والمياه الآسنة، في انتظار أن تتفتق مواهب الغيورين على المدينة عن حلول تملأ نهر بردى بالمياه مجدداً.
لم يحظ نهر في الشعر العربي بما حظي به نهر بردى، فبعض الشعراء وصفه مدللاً عليه بما رآه بأم عينه، وبعضهم أورده في شعره، وربما لم يره، و ذكره إما لتصوير أمر ما، وإما لتقريب معنى من المعاني التي لا تتضح إلا بذكر اسم النهر أو وصفه، ومن ذلك قول شاعرنا جورج صيدح المولود في دمشق عام 1893 الذي قال:
حلمــــت أني قــــريــــب منــــك يا بــردى
أبــــل قلبـــي كما بلَّ الهشـــيمُ نــدى
ونصــــب عينــي مــن البلــدان أبدعهـــا
سبحان مــن أبـدع السكان والبلدا
حلــــم الليــــالي صيــــاح الــــديك نفــــره
فــلا دمشــق تــرى عيني ولا بــردى

print