ليس هناك أصعب من أن تكون محايداً وصديقاً في آن معاً وسط محيط مضطرب تحكم الأزمات والحروب تاريخه وحاضره، وحتى مستقبله.
ليس هناك أصعب من أن تحمي السلم الداخلي والسلام الاجتماعي وسط محيط تحكمه المذهبية والتطرف وخصوصاً عندما تكون مُطالباً- بحكم الجغرافيا والديمغرافيا- بأن تكون جزءاً منه.. وليس أصعب من أن تختلف عنه ومعه وترفضه علناً وأنت تعرف ما يمكن أن يجره ذلك عليك من ويلات وكوارث.. ثم تخرج سالماً.
إنها المعادلة الأصعب إن لم تكن المستحيلة بالنسبة للدول، لكن سلطنة عُمان حققتها بدرجة مؤثرة وبالصورة التي ترفع لها القبعة احتراماً وتقديراً.
عُمان في سبيل تحقيق هذه المعادلة عملت على استثمار كل الأوراق الممكنة وبالنظرة الثاقبة لقيادتها انتقت الأفضل منها واعتمدته كسياسة خارجية جنبت البلاد والعباد الانقسامات الإقليمية وتداعيات حروب الغرب الاستعماري ضد المنطقة العربية.. والأهم أنها استطاعت تجنب الوقوع في صدام مباشر أو غير مباشر- عسكري أو سياسي- مع الجيران ومع جيران الجيران، وأكثر من ذلك كانت طرفاً مُصلحاً، أو أقله «محضر خير» كما يُقال، ولا يقلّلن أحد من هذه المسألة الأخيرة لأن عُمان استطاعت تفعيلها بصورة كبيرة باتجاه إرساء حالة حسن جوار لافتة بينها وبين جيرانها في عز الأزمات والاضطرابات.
كيف استطاعت عُمان فعل ذلك؟
1– الموقع الجغرافي.. وهو الورقة الأهم، حيث استطاعت أن تكون كـ«ميزان الذهب» بوصف المحللين، بالنسبة للتوازنات الإقليمية الأكثر اختلالاً في العالم، و«ميزان الذهب» هذا استمر ولايزال مضبوطاً، وكان من الدقة لدرجة أنه لم يختلّ يوماً، وميزته العمل بصمت وتكتم بعيداً عن الشوفينية والبهرجة الإعلامية.
2– يحتاج الإقليم وجوار الإقليم إلى نقطة التقاء أو ربط أو نقطة تهدئة (بمعنى بقعة جغرافية) لتكون أرض تفاوض ومفاوضات كسويسرا مثلاً (لا تشبيه طبعاً وإنما مقاربة فقط) وكانت سلطنة عُمان النموذج الأمثل نظراً لاعتمادها مبدأ السلمية والتفاوض في علاقاتها الخارجية، ولأنه مبدأ أصيل متين استطاعت أن تُسقط كل المحاولات (والمؤامرات) لحرفها عن هذا المسار.
3 – القيادة العُمانية التي أرست دعائم اجتماعية متماسكة وحصنتها بالقوانين ما استقطب التفافاً شعبياً حولها وإيماناً بنهجها ومواقفها، هذه الدعائم كانت من القوة الكافية لدرجة أن البلاد لم تشذ ولم تنحرف عن المسار الصحيح رغم غياب هذه القيادة- ممثلة بالسلطان قابوس- لفترة طويلة جداً خارج البلاد للعلاج.
كل ما سبق خوَّل عمان لتكون الطرف المختلف المحايد والصديق، ولتسجل أهم المواقف المشرفة تجاه الدول العربية وخصوصاً منها التي تتعرض لمؤامرات الأقربين وحروبهم كما هو حال اليمن، ولا ننسى موقفها الإيجابي من سورية وكيف اختارت السباحة عكس التيار الوهابي وتحملت من الضغوط والتهديدات الكثير، ولم تُغير ولم تُبدل.
أخيراً، يكفي سلطنة عُمان أن أياً من مواطنيها لم يُسجله التاريخ كإرهابي أو متطرف، أو أن إحدى دول الإرهاب استطاعت تجنيده في جماعات إرهابية ضد الأمة.

print