يعود تاريخ عُمان إلى حقبات زمنية بعيدة ولعل موقعها الجغرافي المتميز جعلها واحدة من أهم الممالك في العالم القديم والوسيط، فسواحلها تطل على غرب البحر الهندي وهو ما ساعدها لتكوين قوة بحرية مهمة ساهم فيها العُمانيون الذين برعوا في قيادة السفن التجارية التي انطلقت شرقاً حتى الصين وجنوباً حتى شواطئ إفريقيا الشرقية. لم يحمل العُمانيون معهم السلع التجارية فقط، بل حملوا الفكر والمعرفة وساهموا مساهمة فعالة في نشر الإسلام شرقاً وجنوباً.
يعود أصل العمانيين، كما ذكرت موسوعة «بي بي سي» البريطانية إلى قبائل نزار وهم من العدنانيين (عرب الشمال)، حيث حدثت هجرات عربية كبيرة في العصور التاريخية الأولى من شمال شبة الجزيرة العربية إلى عُمان وسواحلها بسبب الجفاف الذي حل بالمنطقة.
ومع أنه لم يعرف بالضبط تاريخ هذه الهجرات وهل كانت هجرة كبيرة واحدة أم على دفعات، لكنهم تمكنوا من بسط سيطرتهم على المنطقة وساهموا في بناء الحضارة الإنسانية التي لا تزال شواهدها قائمة إلى اليوم في سلطنة عًمان، حيث تزخر بالعديد من المعالم الأثرية التي تروي قصة حضارات ضربت جذورها في عمق النشأة الأولى للإنسان، ولعل المكتشفات الأثرية تشير كلها إلى العصور والحقب الزمنية المختلفة التي مرت فيها عُمان على مدى التاريخ.
ولعل أهمية سلطنة عُمان برزت بشكل واضح في القرن السابع عشر عندما كانت إمبراطورية قوية تنافس بريطانيا والبرتغال على النفوذ في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي، وبرزت العاصمة مسقط كأهم ميناء تجاري رئيسي في منطقة الخليج العربي وواحد من أهم الموانئ التجارية في المحيط الهندي.
وإذا ما تذكرنا أن العُمانيين كانوا من أوائل الناس الذين دخلوا في الإسلام وكان لهم الدور الفعال في إخماد حروب الردة التي حدثت بعد وفاة الرسول، إلى جانب مشاركتهم مع الرسول في الفتوحات الإسلامية براً وبحراً ساعدهم في ذلك أنشطتهم التجارية والملاحة البحرية التي يتقنونها حيث وصلوا إلى منطقة البحيرات الكبرى الإفريقية والشرق الأقصى وخاصة خلال القرن التاسع عشر حين قاموا بنشر الإسلام في مناطق كثيرة وسط إفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا والصين حيث يسر ذلك تنشيط تجارتهم.. إذا ما تذكرنا هذا فإنّ ذلك يؤكد أهمية سلطنة عُمان والعمانيين في تلك الحقبات، فالناظر إلى خريطة السلطنة يعلم تماماً أهميتها، فهي جزيرة محوطة بالماء من ثلاثة اتجاهات الشمال والشرق والجنوب، زاد طول ساحلها وقربها من الخليج العربي وخليج عمان، وكذلك من بحر عمان والمحيط الهندي من أهميتها الاستراتيجية، وفي جعل العمانيين أحد أهم صناع السفن، حيث أصبحت سفنهم تجوب أنحاء العالم، وتُعرف بعض المدن الساحلية العُمانية مثل سور عالمياً بصناعة وإصلاح السفن نظراً لما يمتاز به العُمانيون من مهارة في بناء السفن جعلتهم بلا منازع من أفضل بناة السفن.
إضافة إلى أهمية سلطنة عُمان التاريخية والاستراتيجية، هناك عدة أشياء تميزها عن كل ما ذُكر، فهي أقدم دولة مستقلة في العالم العربي، حيث حكمت عمان عائلة السعيد منذ عام 1744 حتى عام 1970 عندما تولى السلطان قابوس منصبه كحاكم رسمي لعُمان في 23 تموز عام 1970 ومنذ ذلك الحين شهدت البلاد تحسناً واضحاً في المعايير التعليمية والاقتصادية والمال والسياسة، كما أن سياسة السلطان قابوس الداخلية والخارجية منحته شعبية واضحة، خاصة بعد أن قام باستخدام عائدات النفط في تطوير البنية التحتية وتحسين مستوى معيشة المواطن العُماني.
ووفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي، تعد سلطنة عمان من أكثر الدول أماناً وأمناً في المنطقة، فعلى الصعيد الأمني تتمركز قوات السلطنة العسكرية على الحدود العُمانية- اليمنية بمحافظة «ظفار» لمنع أي اختراق إرهابي أو عمليات تهريب للأسلحة الخفيفة والآلية، مستخدمة بذلك أحدث تكنولوجيا حماية الحدود بما يكفي لتأمين المنطقة، حتى مع الاضطرابات المتصاعدة في اليمن.
أما تاريخياً، فالسلطنة سبق أن عانت من احتجاجات ما يسمى «جبهة تحرير ظفار» من قبل الجماعة الماركسية التي حاولت إسقاط السلطنة في عام 1970 في إطار احتجاجات وأعمال عنف شملت جميع بلدان الخليج العربي تقريباً، لكن السلطنة تصدت لتلك الموجة وحرصت على عدم تكرار ذلك مرة أخرى.
وعلى الصعيد السياسي- المجتمعي، فالإرهاب عموماً لن يجد في سلطنة عُمان تربة خصبة تسمح بنموه، حيث أظهر تقرير دولي عن الحريات الدينية غياب الانتهاكات المجتمعية وجرائم التمييز العنصري عن أراضي السلطنة.
وقد اكتشفت السلطنة في تسعينيات القرن الماضي أن المخزون النفطي أقل بكثير من تقديرات الحكومة في بداية الأمر ما دفع حكومة السلطان قابوس إلى وضع خطة طريق باسم «رؤية 2020»، تهدف بحلول عام 2020 إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، وذلك عن طريق تمكين القطاع الخاص، ودمج السلطنة في الاقتصاد العالمي، وتنمية الموارد البشرية، وبالطبع زيادة واضحة في الأرباح من المجالات الاقتصادية غير النفطية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على كل مجالات الحياة بما يحقق النمو والرخاء. واللافت فيما يتعلق بقطاع الغاز العُماني أنه يحقق نتائج طيبة ومثمره؛ إذ يشكل نسبة 20% من الدخل القومي العُماني.
وضمن إطار تعزيز مكانة السلطنة تسعى الحكومة إلى استغلال الموقع الجغرافي المتميز لتصبح مركزاً تجارياً مهماً وذلك عن طريق إنشاء مركز شحن وتفريغ ضخم بمدينة «الدُقم»، على ساحل المُحيط الهندي.
ويبدو أن السلطنة فهمت جيداً، ومنذ زمن، اللعبة السياسية، الأمر الذي جعلها تتمسك بثوابتها في عدم الانجراف وراء أي قرارات متسرعة، وفي هذا السياق كان لقرار السلطنة في الاحتفاظ بعلاقاتها مع إيران بعد الإطاحة بنظام الشاه أواخر السبعينيات دور أساسي في نزع فتيل الحرب العراقية- الإيرانية حينما استضافت مسقط المفاوضات التمهيدية لإنهاء الحرب في عام 1988، ليسجل التاريخ أن عُمان قامت بدور محوري مهم لتهدئة الجانبين وقد ساعدها على ذلك علاقاتها الجيدة والمتوازنة في طرفي النزاع آنذاك.
كما لم تقطع السلطنة علاقاتها مع العراق رغم غزوه الكويت، بل أوفت بالتزاماتها من خلال المشاركة في قوات «درع الجزيرة» التي ساهمت في عملية تحرير الكويت، وقامت من خلال تلك العلاقة مع العراق بالاستفسار عن مصير المفقودين الكويتيين.
ولم تؤيد السلطنة الحرب الأمريكية- البريطانية على العراق، وكانت من الداعين للحكمة والتعقل، وعدم حسم الأمور ومعالجتها عسكرياً من خلال استخدام القوة، لأن هناك وسائل أخرى سلمية يجب اللجوء إليها أولاً.
وفي الحقيقة هناك عوامل عديدة تداخلت مع بعضها لتجعل من السلطنة لاعباً أساسياً في قضية البرنامج النووي الإيراني، منها ما يعود للعامل التاريخي والجغرافي، وآخر يرجع إلى دور القيادة العُمانية ومتانة علاقات السلطنة بأطراف الملف النووي، ما أدى لنجاح الوساطة العُمانية، فالسلطنة تهدف دوماً إلى السعي لضمان الاستقرار، ليس في منطقة الخليج فحسب، وإنما في المنطقة العربية بأكملها.
لذا يلاحظ أن التحركات العُمانية ترمي لتحقيق التوازن بين تحالفاتها مع الولايات المتحدة، وعضويتها في «مجلس التعاون الخليجي» من ناحية، وحفاظها على علاقات وطيدة تربطها بإيران من ناحية أخرى.
وإن أردنا العودة للتعرف على العوامل التي ساعدت السلطنة على تحقيق هذه النجاحات، سنجد أن بقاءها في منطقة محايدة دوماً، خارج خطوط التماس وبعيداً عن مناطق النزاعات، جعلها تقيم الأحداث بشكل أفضل، فابتعدت عن الانقسامات السياسية التي شهدتها المنطقة، الأمر الذي مكّنها من الحفاظ على سياسة متوازنة مع دول الجوار، وبناء شبكة ناجحة من التحالفات والعلاقات الوسطية استطاعت من خلالها التحرك بديناميكية لافتة، ومن القيام بأدوار أخرى في المحادثات التي جرت بين مصر وإيران من جهة، وبين السعودية وإيران من جهة أخرى، وبين بريطانيا وإيران من جهة ثالثة، وكلها جهود أثمرت في تخفيف حدة التوتر الإقليمي.
الجدير ذكره أن سلطنة عُمان انتهجت منذ قيامها سياسة سلمية تقوم على تجنب الدخول في الصراعات التي لا مسوغ لها، ولعل ذلك ساهم في تمكين مسقط من لعب دور سياسي مهم في المنطقة وإن لم يبدُ هذا واضحاً للجميع.

print