لكل شيء في هذا العالم سوق سوداء، بدءاً من كروزات المتّة إلى المعلبات الفاسدة وشحّاطات النايلون، وصولاً إلى العلاقات الإنسانية وتهريب العملة.. سوق بإمكانها بيع كل شيء وشراء كل شيء من البشر «الغلابة»، بلا ضرائب أو دوريات تموين وصناديق شكاوى.. تلك الفطور التي تنتشر كالبقع في جسد الاقتصاد والسياسة والحب، ليست في الحقيقة سوى علامات حساسية في الجلد ودليل التهابات في السحنة الآدمية الباحثة عن بارقة أمل للعيش الكريم وتأمين متطلبات الحال في ورشة الحياة داخل المجتمعات المتخلفة..
الخبراء في الاقتصاد يرون أنه كلما انتشرت تلك البثور بشكل كثيف على جسد المجتمع، كان ذلك دليلاً على عطب كبير يحدث في البرامج وتقنيات العيش التي تحيط بأفراده، رغم «الحلول» السريعة التي تقدمها الأسواق السوداء التي تعمل بلا واجهات فارهة ولا «مولات» أو مكاتب ضخمة ومانيكانات تجذب الزبائن من وراء البلور..
«الفهمانون» في سلامة المجتمعات النفسية، يؤكدون في كل مرة أهمية السوق السوداء رغم الشبهة التي تحيط بهذا المصطلح، فالبشر كما يشرح أولئك، ظلوا في جميع العصور بحاجة إلى «تهريبة» من نوع ما كي يلتقطوا أنفاسهم ويتمكنوا من الاستمرار كأن شيئاً من شظف العيش لم يكن!. وكل ذلك يتم ريثما «تزبط» التركيبة القانونية والأخلاقية وحتى الفكرية التي تخص المجتمعات، ولأن الأجيال لابد من أن تكبر وتعمل وتقتات، فإن الأسواق السوداء كانت بمنزلة المهدئات المقبولة مرحلياً رغم مضاعفاتها على المدى البعيد!.
الفطاحلة في الإدارات، يضحكون من كل قلوبهم وهم يخبروننا بأن مؤسسي الأسواق السوداء وأصحاب بسطاتها وأكشاكها ودهاليزها السرية، هم أنفسهم أخطبوطات التجار والمتنفذين الذين يملكون السوبرماركات الضخة وأماكن البيع بالجملة ولهم أسهم في كل شيء، فهؤلاء، كما يشير الفطاحلة إياهم، يبدّلون الدكّان وأسلوب التسويق عندما تقتضي قوانين الربح ذلك..
لكل عيشة «مشحّرة»، سوق سوداء هدفها تبييض المشهد والتخفيف من شدة «الفعس» الذي يعانيه البشر.. مثل الذي يرشّ السكر على «البرغل ببندورة».. يا شحّاري أنا..!.

print