للمفارقة لا أكثر: استثمار ملعبين ومحل ذائع الصيت لماركة معروفة وأرباحها بالملايين في مدينة الجلاء الرياضي بـ22 مليوناً فقط سنوياً، بالمقابل تفكر محافظة دمشق باستثمار كل موطئ قدم موجود على قارعة الطريق من خلال منح إجازات موسمية لأي بسطة أو عربة سواء لبيع الفول أو الحمص أو الذرة أو الترمس بقياسه بالسنتيمتر الواحد، فمثلاً تكلفة رخصة لاتتجاوز 6 أشهر لعربة فول بـ 36 ألف ليرة، مفارقات تدعو للتعجب لا بل إلى طرح العديد من إشارات الاستفهام عن آلية الاستثمار المعتمدة!!
مفارقة عجيبة
أحياناً ليس الخطأ في الاستثمار فهو مبني على عقد وفق شروط محددة، لكن التراخي والرضوخ لتطاول المستثمر أمام إغراءات يقدمها للجهات المالكة هما أساس البلوى.
ما يحصل حالياً مع الاتحاد الرياضي العام الذي يملك مدينة الجلاء أشبه بذلك حيث قام الاتحاد باستثمار ملعبين على أرض الجلاء وكافتيريا بمساحة محددة، لكن المفاجأة التي أقر بها رئيس الاتحاد اللواء موفق جمعة هي تمدد المستثمر وضربه عرض الحائط بشروط العقد بزيادة في المساحة، لتتم بعدها التسوية معه ومصالحته بزيادة 8 ملايين ليرة فقط وكأن شيئاً لم يكن، والحجة المكررة زيادة تخديم المنشأة وجعلها حضارية.
ليست وحدها مدينة الجلاء من باتت كامل أراضيها شبه مؤجرة للمستثمرين، فكم الأكشاك المحيطة بسور حديقة الجاحظ يكاد يحول دون رؤيتها من بعيد، هذه الأكشاك التي رفض مدير المكتب التنفيذي في المحافظة فيصل سرور اعتبارها استثماراً وإنما وصفها بأنها إجازات أشغال أملاك عامة، فوفقاً للقانون المالي رقم (1) لعام 94 فإنه يحق للوحدات الادارية تأجير الاملاك العامة مقابل بدل يتراوح ما بين 10 ليرات الى 200 ليرة للمتر المربع الواحد يومياً، والتساؤل المطروح: هل بات استثمار المنشآت والحدائق العامة على حساب التلوث البصري للمواطن والتعدي على أبسط حقوقه في الاستمتاع بجو هادئ أمراً ثانوياً؟
تراشق التهم
بالعموم: بمجرد السماع بكلمة استثمار لاتحاد أو نقابة لا على التعيين، يتراءى لذهن أي شخص منتسب إليهما وجود نوع من الشبهة ولاسيما أنه لا يرى منعكسات آثار نعماء تلك الاستثمارات على واقعه، فكيف وإن كانت ثمة جهتان حكوميتان تتراشقان التهم وتلمحان ولكن ليس بصريح العبارة إلى وجود نوع من الفساد لكونهما كانتا مسؤولتين عن الأملاك نفسها ويعرفون «البير وغطاه» كما يقال قبل أن تعود تبعية المنشآت إلى إحداهما..
وللتخصيص أكثر، ربما ليس بجديد وجود أكشاك لمستثمرين داخل وخارج الحدائق العامة لكن أن ترى مطعماً يقدم الوجبات السريعة من الفروج ومجهزاً «بقعدة» تحوي كراسي وطاولات فاخرة ضمن حديقة عامة هذا ما يلفت الانتباه ويدعو للتساؤل عن قانونية هذا الاستثمار.
المقصود بالتشبيه محل فروج الزين الذي يتربع على مساحة تتجاوز 300 متر داخل مدينة الجلاء الرياضية، يقول أحد المعنيين في الاتحاد الرياضي الذي رفض ذكر اسمه: أكثر من مرة قامت البلدية بهد البناء نظراً لوجود تجاوزات في مخططات البناء لكن وبرغم ذلك شيد البناء وسط أوتوستراد المزة، طبعاً بعد تحوله إلى مخطط نظامي مقابل مبلغ مدفوع للمحافظة! ويتابع تعقيبه: البناء أصبح قانونياً ولاسيما أنه يأخذ شكل مستطيل هرمي وليس محصوراً بكتلة نظامية كما لم يتم قص سوى 4 شجرات!
المحافظة أخلت مسؤوليتها فور استفسارنا عن هذا الاستثمار مؤكدة أنها قدمت رخصة مهنة للفروج فقط من دون معرفتها بتفاصيل العقد مبررة على لسان مدير مكتبها التنفيذي فيصل سرور أن جميع المنشآت الموجودة على أراضي الاتحاد لا يحق للمحافظة التدخل فيها فقد أصبحت تابعة له بعد صدور قانون نقل جميع أملاك المنشآت الموجودة على أراضي الاتحاد إلى تبعيته إثر مطالبته المستمرة بذلك.
رئيس الاتحاد الرياضي اللواء موفق جمعة وبعد تعهده الحديث بمنتهى الصراحة والوضوح ،أكد أن محل فروج الزين لم يكن في البداية ضمن العقد، بل كان محدداً بناء كافتيريا صغيرة للأكلات السريعة، لكن تم تجاوز ذلك الاتفاق من قبل المستثمر في البناء والمساحة، ما حمل الاتحاد على المصالحة عبر رفع سعر الاستثمار ليأتي فروج الزين شريكاً للمستثمر الأصلي في الملاعب، مشيراً إلى أن الاستثمار قام بمزاد رسمي وليس هناك مصلحة مع فروج الزين فإلى اليوم لم نشتر من عنده، حتى إننا لم نشهد الافتتاح درءاً للشبهة.
«هم ونزاح»
نزاع حقيقي على استثمار المنشآت التابعة للاتحاد الرياضي بدا واضحاً بين الاتحاد الرياضي والمحافظة من خلال تراشق التهم فيما بينهما، فالأموال العائدة من الاستثمار لا بأس بها، ففروج الزين والملعب وحدهما يعودان بـ 22 مليون ليرة للاتحاد، كما أكد مدير الاتحاد الرياضي ناهيك بالاستثمارات الأخرى في الصالات الرياضية المتبقية، هذه النعماء التي لم يلمح أثرها على أرض الواقع كما رأى سرور حينما قال انه يتم إطفاء الكهرباء عن الاتحاد أحياناً أثناء اللعب بحجة التوفير، مؤكداً أن قانون اعادة المنشآت الى الاتحاد الرياضي أسعد المحافظة كثيراً ووصفه بأنه «هم ونزاح» خاصة أنها كانت تتكلف عشرة أضعاف ما كان يأتي من الاستثمار سواء على قص العشب والشجر واستبدال الإضاءة وتزويد الاتحاد حتى بأقل الخدمات، وأضاف سرور: الله يسعدهم بالعقود الاستثمارية التي يبرمونها، هاقد نقلت ملكية المنشآت لتبعيتهم فليستثمروها بالطريقة التي يرونها مناسبة، لكن ما يدعو للتساؤل سماح إدارة الاتحاد فجأة بكل تلك الاستثمارات في حين كانت تعترض سابقاً على إبرام أي عقد استثماري عندما كانت منشآت الاتحاد الرياضي تابعة للمحافظة، بحجة حاجتها للمنشآت، لكنها حالياً لم تبق أي متر إلا استثمرته حتى الملعب لم تعد بحاجته فأجرته!
اعتراف صريح
ولم يرغب سرور في الحديث «بالمشرمحي» عن قانونية هذا الاستثمار محاولاً إيصال الفكرة بضربه مثالاً على استثمار آخر في مطعم (د) بصالة الفيحاء الذي كان الاتحاد عده تسييراً ذاتياً ليتبين بعد زيارته المطعم أن القضية قضية استثمار فلا توجد خدمة إلا يؤمنها بما فيها الأركيلة مضيفاً: لدى الاتصال برئيس الاتحاد موفق جمعة والاستيضاح منه أجاب «بأنه يأكلون كم سندويشة» لكن بعد التحقق من العقد تبين أن المستثمر هو عامل في الاتحاد من عائلة معروفة «غ»، ولكنه استدرك قائلاً: المنشآت منشآتهم وليس لنا أي دخل باستثماراتهم
ولم ينف سرور أن يكون المستثمر قد حصل على ترخيص المهنة بطريقة أو بأخرى لكن ذلك ليس من شأن الاتحاد الرياضي فهي من أبرمت العقد معه على أراضيها.
مجرد أكاذيب
رئيس الاتحاد الرياضي عدّ ادعاءات المحافظة بالتكلف على تخديم منشآت الاتحاد مجرد أكاذيب، بعد استيائها من عودة المنشآت الرياضية إلى الاتحاد، مشيراً إلى أن المحافظة كانت تأخذ مبلغ 350 مليوناً سنوياً مقابل قص العشب والخدمات الأخرى التي ادعتها، كما قام الاتحاد بدفع 350 مليون ليرة ديون كهرباء على الفترة التي كانت تابعة فيها المنشآت للمحافظة، متسائلاً :10 سنوات بقيت المنشآت الرياضية تابعة للمحافظة، فلماذا لم تعلن عن عقود استثمارية؟ وأضاف: في عام 2010 أعلنا كاتحاد صالة البيلياردو للاستثمار على اعتبار معادلة ربحها خاسرة، وفق مزاد رسا على 6 ملايين، لكن المحافظة اعترضت حينها على المزاد لكون المنشآت تابعة لها فألغت المناقصة السابقة وأعلنت مزاداً آخر رسا على مبلغ أقل بمليوني ليرة وعقب: هنا نحن كنا الحرامية وهم أي «المحافظة» الشرفاء.
صالحنا مقابل 8 ملايين سنوياً
عن حقيقة هذا الاستثمار تحدث جمعة شارحاً أن هذا الاستثمار بدأ بملعبين من العشب الصناعي طرحا بموجب عقود قانون رقم(51) وبمبلغ12 مليون لتحويل الملعبين من بلاط إلى عشب صناعي بمدينة الجلاء الرياضي مع بناء كافيتريا صغيرة بمساحة 45 متراً لتخديم الملاعب، لكن المستثمر قام بارتكاب مخالفة في بناء الكافيتريا عبر توسيع مساحتها إلى 300 متر وتركيب جدران زجاجية بدل المظلة، لذا تم تشكيل لجنة مؤلفة من الاتحاد ووزارة السياحة وممثل عن المستثمر لمناقشة وضع هذا التجاوز فتم تقديم مقترح بالتسوية وإبقاء الكافيتريا مقابل زيادة مبلغ 8 ملايين على الاستثمار سنوياً، هذه الكافتيريا التي لم يجد المستثمر منها جدوى مادية، كما أكد جمعة، فقرر مشاركة الرياضي «م.س» من خلال فروج الزين ، فقام الأخير «م.س» بتحويل الكافتيريا إلى مطعم رسمي بحجوزات وتوصيات، وافق عليه الاتحاد مقابل دفع المستثمر هبة 5 ملايين و500 ألف لمرة واحدة، إضافة لزيادة مبلغ مليوني ليرة على الاستثمار سنوياً ليصبح كامل الاستثمار 22 مليوناً سنوياً، إلى جانب نسبة زيادة سنوية بمبلغ مليون ليرة ابتداء من عام 2020.
قاسيون مول مجرد فقاعة إعلامية
وعدّ جمعة أن قيمة الاستثمار مناسبة وليست بالقليلة لمستثمر تكلف 500 مليون لتحويل المنشأة من بلاط أرصفة إلى منشأة حضارية، فهو بحاجة إلى أرباح بقيمة 60 مليوناً سنوياً ليعوض التكلفة، كما انه من مشجعي المستثمر الذي فضل تشغيل أمواله بالاستثمار بدلاً من شراء الدولارات والذهب، رافضاً عدّ مول قاسيون تجربة يحتذى بها فهو مجرد فقاعة إعلامية ولا يزال مجهول المصير.
عن قبول الاتحاد بهذا الاستثمار برغم مخالفات المستثمر الدائمة وتجاوزاته أكثر من مرة، قال جمعة: كنا نفرض زيادة على كل مخالفة يرتكبها، فقد كنا أمام حلين إما هدّ المطعم وإما المصالحة عليه مقابل 8 ملايين، واخترنا مصلحة الاتحاد بالمصالحة، نافياً قيام المستثمر بقص أي شجرة فهذا لا يتم إلا بموافقة مديرية الحراج.
من 10 ليرات إلى 200 ليرة تكلفة تأجير المتر المربع
وفيما يخص استثمار المنشآت العامة التابعة للمحافظة فإن القانون المالي رقم (1) لعام 94 يتيح الحق للوحدات الإدارية بتأجير الأملاك العامة مقابل بدل يتراوح ما بين 10 ليرات إلى 200 ليرة للمتر المربع الواحد يومياً، يقول سرور: بناء على ذلك منحنا إجازات موسمية حول حديقة الجاحظ حسب قرارات مجلس المحافظة الناظمة وهي على الشكل الآتي صبارة وفول نابت وترمس وبوشار وتمر هندي إضافة لوجود 3 أكشاك لذوي الشهداء وكشك لمعوق وكشك لمؤسسة المطبوعات ممنوحين وفق الأصول وبموجب قرارات المكتب التنفيذي والبدل المخصصين فيه.
في حين كشف مصدر مطلع في المحافظة أن تكلفة منح رخصة لعربة الفول تقدربـ 36 ألف ليرة شهرياً معتبراً أن المبلغ ليس كثيراً فهناك العديد من الأشخاص الذين «يتواسطون» لجهات عليا من أجل الحصول على رخصة من هذا النوع. وأضاف: هذا عن الفول فما بالك بالعربات الأخرى «الذرة والبوشار.. و».. إضافة إلى البسطات المركونة في الشارع جميعها تتقاضى عليها المحافظة مبالغ حسب المساحة التي تقيسها بالسنتيمتر الواحد لقاء منح الرخصة.
daniadous@yahoo.com

print