اقتفاء أثر الحرب في قصيدة الحب والمشاعر خلال السنوات الماضية، يبدو شائقاً ومملوءاً بالمفاجآت، خاصة إذا ذهبنا بالسؤال إلى الشاعرات النساء اللواتي يمكن أن يُجدن كثيراً في تفكيك الحب في الشعر والشعر في الحب.. فالنقاد يقولون إن تغيرات كثيرة عصفت بالمشاعر والقصائد على حد سواء، وهذا أمر يتضح في كتب الشعر التي تطبع اليوم وفي القصائد التي تنشر على الفيس وفي مجمل المنابر.. هنا بانوراما مع شاعرات سوريات حول قصيدة الحب التي يقول البعض إنها مثخنة بالجراح:
غادة اليوسف: القصيدة تنزاح عن ساحتها الأليفة
الحرب غدت في القصائد كما الحب!.. فكم تندّت بدم العاشق الأنبل ألا وهو الشهيد.. وكم سُقي أرجوانها بدموع الثكالى وهن يشيعن أحبابهن.. وكم تصعّدت أنات أشعارهم بوحاً سامياً يختزل آلام وآمال المألومين من الحرب.. في زمن الحرب تنزاح القصيدة عن ساحتها الأليفة إلى ساحات تتلوّن بكل الأوجاع:
لا صورة لك عندي/ لا إطار يحدّك/ لا جدار غير القلب يليق/ أرسم صورتك كما يشتهي المدى/ مابكِ يا حبيبتي/ فاض عن احتمال الأسطورة/ لأجلكِ أنحني كياء في الرمق الأخير من الأبجدية/ لتنهضي همزة..على ألف الكون.
خديجة الحسن: الحب طوق نجاتنا
لو لم يكن الحب موجوداً فينا، ما كان ليوجد الشعر ولا الفن، فقصيدة الحب يمكن أن تكون ملاذ الروح ووطن القلب، ومنارة وبوصلة لا تخطئها الروح ولا القلوب ولا اسم الوطن ولا اسم الحبيب، ولا العنوان لصندوق بريد القلب، الذي مازال يحتفظ بمفتاحه. الحب هو ملجأ للروح حينما يمتد إليها الدمار والفقد، لكنه الحب في أزمة، وندرة هم الأغنياء به.
طهران صارم: للحب في الحرب طعم آخر!
لا تموت المشاعر ولا قصيدة الحب في زمن الحرب.. بل تزهر العواطف وتتدلى قصص الحب في الليالي السوداء كعناقيد عنب يقطر منها الحنين والشوق.. وهذا أمر يمكن أن نراه في جميع القصائد التي تملأ المحيط حولنا بغض النظر عن مستواها وفحواها.. مع كل رصاصة يطلقها الحبيب يغني لها «مهرك أرض من شقائق النعمان» نعم لا يموت الحب ولا ينقص على الجبهات.. يصير إرادة وفعل شجاعة ومواجهة..يصير مقاومة لكل قبيح.. فتعانقه الأرواح بتوق كبير وتلوذ به الحياة ليبقى إكسيرا لها… الحب في الحرب له طعم آخر وكل لحظة فيه عمر بذاته.
عبير سليمان: هدنة بين قذيفتين
الحب حاجةٌ إنسانية أساسية، لم تغيرها قسوة الحرب، بل زادت من سعي الناس إليها؛ صارت خوذة تحمينا من الذعر، سترة واقية من القهر، سلة غذاء للروح، مصباحاً كهربائياً في حلكة اليأس، مدفأة حطب.. وسلاماً شهياً في الهدنة القصيرة بين قذيفتين.
و الحب شجرتنا التي أنقذت تربتنا الطيبة من سيل الفتن والنيات الخبيثة، كانت الجذور أعمق وأقوى من أن تتركنا ننجرف إلى الهاوية، والثمار أشهى وأغلى من أن نتركها وليمة للجراد.
أحلام بناوي: دمّر أجزاء من أرواحنا
نعم حرف واحد بين الحب والحرب دمّر أجزاء من أرواحنا قبل أن يُدمّر الحجارة… والحرف أيضاً وحدَهُ سيكون قادراً على إعادة رتق هذه الجراح كلها، من الطبيعي جداً أن يتأثر الحب بالحرب والعكس صحيح، وقد بدا ذلك جليّاً في الأدب الذي رافق الحرب في سورية..فأنا أقول على سبيل المثال: /يا غاسِلاً الملحِ بالملحِ، ماذا يفيدُكَ والمدى جُرحي.. أحلامنا في الليل ننجِبها، لِنَزُفّها للموتِ في الصبح/.حتى في الغزل نجد مفردات الحرب حاضرة في أدب الأزمة بشكل أو بآخر.
إيمان موصللي: نتحدى شبح الوجع
في أزمنة الحرب نصنع من الوطن أيقونة فاتنة تارة نبكيها وتارة أخرى نتغزل بها.. في الحرب لا يموت الحب ولكن تصيبه أعراض جانبية من حمى الفقد. لن يدهس العشق.. سيبقى الهوى ينمو في القلب كعريشة ياسمين تنطق بالهوى في كل شهقة صباح بكر، والشعر طقس حب نتحدى فيه شبح الوجع بدموعٍ من حبرٍ أحمر قانٍ. (يا عيد… لا تنتظرني يا عيد / لست مهيّأة لفرحك الهشّ/ تجوّلت في أزقة الأمنيات/ ما وجدت سوى أضغاث حلم. / ماذا لو. اخترعت عقاراً يشفيني من حمّى الخراب /وتعلمت سرّ التحنيط / لأدفن كل جثث الحرب في هرمٍ مرصود).
أسمهان الحلواني: قدرنا حرب سنخونها لأجل الحب
خلق الإنسان ليخون قدره، والله لا يضع في قلوبنا إلا المهام المستحيلة، إذا كانت الحرب قدرنا فسنخونها بقصائد الحب، وهذه رسالة في بحيرة ضحلة تجف ونحن أسماكها… نأكل بعضنا بعضاً وننازع الماء يأتي الحب ليكون انهمار مطر وأمل. الحب حلم يغدو فيه كل شيء ممكناً قد تكون الحرب من غيرت النفوس وغيرت الأمكنة لكنها لم ولن تطول أحلام البشر. كلما حام في السماء غراب زحف على الأرض المجدبة جدول وسال ليغسل منها الألم.. يقول الحب إله الماء ذات يوم سأعكس وجهة النهر ليبحث عن مكان أفضل يعكس فيه ضياء الشمس واحة مازال فيها نبض الطريدة الشاردة حياً باسم الحب والحياة نعم…. لن تغيرنا الحرب.
خديجة بدور: شعرالحب خشبة خلاص
في الحرب، جن جنون العالم وجن العقل، ومات القلب في الأرض الواسعة الأطراف. إن أكثر ما نحتاجه في الحرب هو شعر الحب الذي عانى معجمه وصوره الكثير خلال مشهديات الحرب التي دخلت قسراً كل مخيلة.. هذا طبيعي لكن قدرية الحب ستجعلنا نتمسك بقصيدة الحب لأنها خشبة خلاص.

print