في صدمة مركّزة التوقيت، كشّر حاكم «بيت المال» عن أنيابه فجأة، عبر تخفيضه الدولار الملعون نحو ستين ليرة دفعة واحدة، فصفق لقراره الميمون، ذوو الدخل المحدود، الذين تعالت أصواتهم فرحاً لعل التقهقر يواصل خطاه، لكسر حدة الأسعار، التي لطالما قرنت بتجبر عملة العم سام، بينما خطفت أنفاس أهل «المال» المدللين، من هول نبأ عدّوه كارثياً وقاتلاً كضغط الدم، بعد إعجابهم بسياسة نقدية أنتجت استقراراً بسعر الصرف شهوراً طويلة، منهية حالة تذبذب تركت ندبات ثقيلة على حركة الاقتصاد خلال السنوات الفائتة، انتهز حاكم المركزي خلالها الفرصة وشن سهام نقده أيضاً، متكئاً بحجته على تحسن الأوضاع الأمنية والمؤشرات الاقتصادية، خلافاً لفترة عهده المعهودة، التي نالت نصيبها من الانتقاد من دون تحييده عن نهجه قيد أنملة رغم كوارثها الكبيرة بشهادة كبار الخبراء وشيوخ الكار.
الكل أدلى بدلوه بلا تحفظ حول قرار تخفيض الدولار، في تسابق محموم لتسجيل الاعتراضات عبر وسائل الإعلام وشقيقتها «التواصل الاجتماعي»، لدرجة اعتقدنا أن الجميع باتوا خبراء بشؤون الصرف والنقد، عبر انتقاد خطأ لحاق المركزي بالسوق الموازية، بشكل سيترك آثاره في الإنتاج والصادرات، التي يبدو أننا صدقنا كذبة أرقامها المهولة الوهمية، لعل النشاط يدب في كيانها مجدداً، لكن ما هو حجم التصدير فعلياً، وما قيمة الأموال العائدة منه إلى جيوب الاقتصاد وليس إلى رجال الأعمال، الذين حاولت الحكومة امتصاص غضبهم وطمأنتهم، بإجراءات تضمن حماية ذقونهم من بلل التغير الطارئ، من دون سماع منها ما يطمئن المواطن، الذي لا يعنيه هذا التخفيض إذا لم يوازه انخفاض بأسعار السلع، فِلمَ تسقط حقوقه دوماً بينما يجبر خاطر التجار القادرين على قطع الأرباح من «تم السبع».
استقرار سعر الصرف أهم اقتصادياً من تخفيضه حكماً، لكن المحظور قد وقع، ويجب على جميع الأطراف أن تقف وقفة واحدة لجعل هذا التخفيض حقيقياً، فتقوى شكيمة الليرة وتنكسر شوكة تجار لم يبادروا إلى تنزيل أسعار منتجاتهم رغم ثبات سعر الدولار، فالصراخ لن يجدي إلا بالدخول إلى مزاريب تدفع باتجاه معاودة سعر الدولار ارتفاعه، وهو ما يتخوف منه لاحقاً إذا لم تتخذ خطوات تحول دون تعزيز مكاسب المضاربين والمحتكرين، فهل تستطيع الحكومة ممثلة بالمركزي تحقيق هذا الاستحقاق لينعم الفقراء بخيره أم إن من إخفاق وزارة التموين بإلزام مستورد المتة الوحيد بالركون إلى قراراتها يجعلنا نقرأ المكتوب من عنوانه، وننتظر حصول معجزة ما.
rihabalebrahim@yahoo.com

print