ثمة من قالها صراحةً؛ ماذا بإمكان الشعر أن يقول، وقد أصبحت معانيه مكرورة ومبتذلة، ومن ثم وصلنا إلى تقليدية جديدة، غير أن الحقيقة الأكيدة أنّه لا يزال أمام الشعر الكثير من البياض ليسفح حبر قصائده على مداه، وفي آفاقه، ولو أنّ القصيدة الجديدة وصلت إلى تقليديّة ما، لكان ذلك يعني أنها استطاعت أن تؤسس قوانينها وتبني مرجعياتها الخاصة، وهذا ما لم تستطع القصيدة المعاصرة أن تصل إليه, ذلك أنها تمتلك من البراغماتية التي تبدو شبه ملازمة وخاصيّة للقصيدة العربية – وهل برع العرب بنوع إبداعي كما برعوا في الشعر؟!- الأمر الذي جعلها تتجاوز في كل مرة البرك الراكدة، أو تبرح فيها، حتى ولو بقذف حصى صغيرة لتُشكلّ دوائر جديدة، ومن ثم لتزيد في اتساعها بعد كلِّ نكوص، أو تقوم بدفعها أشواطاً إلى الأمام عند كلّ ركود.
ومن هنا، يُمكن تفسير كل تلك الانعطافات الكثيرة في مسيرة القصيدة في العالم العربي، وذلك منذ مئتي سنة وحتى اليوم، مرةً تأتي الانعطافة الشعرية أقرب إلى التطور في شكل القصيدة وبنيتها، ومرةً تأتي حادة حتى لتبدو مغايرة ومُفارقة لما قبلها من قصائد.
وإذا ما ذهبنا أكثر صوب الأرض السورية القديمة؛ فسنحصل على مدرسة عظيمة في الشعر السوري، ولاسيما في عصور سورية الهلنستية، تؤكد أن زمن الشعر؛ هو كل الأزمنة، ولا يغرنك التغني بسيادة إبداعات أدبية وحتى بصرية أخرى، ذلك أن كل تلك الإبداعات أدبية أو بصرية فنية، تتألق دوماً كلما قاربت القصيدة، وكلما أفعمت بالشعر أكثر فأكثر.
ما يؤكد ما سبق؛ أنّ القصيدة اليوم لاتزال في مرحلة التخبط بالنسبة لغير الموهوبين، وفي مرحلة التجريب دائماً بالنسبة للشعراء الحقيقيين, على الرغم من أنّ بعض الشعراء في الزمن المعاصر؛ كانوا توصلوا إلى منجزٍ بدأ يتكرر في نتاجات بعضهم، بينما نجد شعراء آخرين لا يزالون يتجددون من قصيدة إلى أخرى، ذلك أن قصيدة النثر ليست نمطاً بقدر ما هي مفهوم للكتابة، واليوم ثمة إشارات مهمة تؤكد نتاج أشكال جديدة في الشعر، وإن تقمصت بثياب أجنبية لجهة الشكل غير أن المضمون بقي مُقارباً لشواغل قصيدة النثر المُعاصرة وإن ذهبت صوب المشهدية والتأمل أكثر من الانشغال بالهموم اليومية، أي تلك القصيدة التي اتخذت شكل الهايكو أو الأقصودة وغيرهما من الأشكال الجديدة، وهنا للكلام بقية.

print