إلى سوتشي انتقلت نتائج الميدان، حيث سمات البحر الأسود تطفو على المحادثات السياسية الحاصلة هناك، لتكون سورية، التي لم تختر الحرب بل فُرضت عليها، حاضرة حضور (الحصان الأسود) الذي فاجأ الجميع بانتصاره ونهوضه من وسط دمار الحرب، ولتستعيد دورها الإقليمي والقيادي وتحقق في البحر الأسود- سوتشي التدفق كموج لا يمكن استثناؤه من بحور الساعة السياسية، رغم الاختلافات الحرارية وملوحة بعض المواقف الممزوجة بأطروحات بعض الأطراف، فإنجازات الميدان السوري وحسمه المعركة ضد الإرهاب جعلها الأبرز على سطح المشهد السياسي، الذي بدأ يتبلور بناء على معطيات أهمها هزيمة «داعش» الإرهابي والمواقف التي تبعتها، لتحقق قمة سوتشي الهدف الأساس منها برسم خريطة الطريق للخروج من الحرب على سورية مشكّلة نقطة مرجعية لإعادة رسم المشهد السوري برمته، والانتقال من مناقشة الملف العسكري والميداني، الذي انتصر فيه الجيش العربي السوري وحلفاؤه، إلى الملف السياسي والحل النهائي للأزمة، وبذلك يعاد ترتيب المنطقة برمتها بعيداً عن أي دور أميركي- أوروبي، وتصبح التصريحات الأمريكية عن نياتها استبقاء قواتها في سورية، حتى بعد القضاء على تنظيم «داعش»، همروجة نواح وردة فعل طبيعية لدولة اكسينوقراطية مثل أميركا التي لقيت حتفها بهزيمة مشروعها، وتطويق نفوذها، لتبدأ بسحب قواتها، وإيقاف عملياتها داخل الأراضي السورية كنتيجة حتمية لكون تدخلها غير شرعي ولم توافق عليه الحكومة السورية.
إن الحضور السياسي الأمريكي لا يشكل اليوم في سوتشي إلا الطبقة السطحية ما تحت الاندماج السياسي- (الروسي- الإيراني- التركي) والسوري- ماء لا أوكسجين فيه ولا حياة للمخططات والأهداف الصهيو-أمريكية الراعية لكل تغييب للمراكز العربية وتحويلها إلى «محميات إسرائيلية»، أما وقد باء «داعش» بالهزيمة الكبرى في سورية والعراق فقد فقدت أمريكا بذلك ذريعة الوجود العسكري في سورية ليكون خروجها عنوان انتصار لمحور المقاومة في الحرب الكونية على سورية، وهذا كله لم يكن في الحسبان الأمريكي «لأنها السيادة ياغبي».
قمم سوتشي، دعوة مكتملة الأركان من حيث الزمان والأطراف للإعلان عن ولادة مسار سياسي جديد تكون فيه مخرجات سوتشي الخطوط العريضة لمؤتمر جنيف، حيث الطاولة للسيادة السورية تجمع الأطراف السورية في حوار وطني يعتمد نجاحه على إدراك المنصات المعارضة أن اللعبة انتهت، والوقت قد حان لوقف العنف وإلقاء الأسلحة للانخراط في حوار وطني يؤدي لتسوية سورية شاملة وتحديد قدرة هذه المنصات على الرجوع إلى جادة الصواب بالانخراط في العملية السياسية الملتزمة بسيادة الدولة السورية، ومؤتمر الحوار الوطني سيكون بمنزلة عملية عصف فكري سوري نحن مستعدون للمشاركة فيه لأننا نؤمن بالحلّ السوري، لكن يبقى الاختبار للمنصات المشاركة على طاولة الحوار كاختبار كريكيت (المقصود ولاء المهاجرين الأجانب الذين يدعمون بلدانهم الأم ضد بلدهم الذي يعيشون فيه).. فهل سيكون ولاء تلك المعارضات مطلقاً للوطن الأم، أم إنها ستبقى مطيّة لأجندات هزمتها الإرادة السورية وباتت «قاب قوسين ومؤتمر» لتحقيق النصر والعمل لإعادة الإعمار؟.
m.albairak@gmail.com

::طباعة::