لم يعد أردوغان بعد لجوئه إلى كل أشكال التدخل المعادي لسورية منذ عام 2011 بهدف تحقيق أطماعه على حساب سورية وشعبها وأرضها يملك أوراقاً يمكنه استخدامها لاستمرار اللعب على طريقته في الساحة الإقليمية أو الدولية.
فقد خسر أردوغان في الجوار العراقي حليفاً كان يعتمد عليه في سياسته لتمزيق العراق وهو مسعود البرزاني الذي حافظ على التحالف معه ضد الحكومة العراقية حتى اللحظة الأخيرة، ثم اضطر إلى نفض يده منه حين شاهد كيف هزم الجيش والشعب العراقي مخطط برزاني لتقسيم العراق، ثم خسر أردوغان عدداً من المجموعات والمنظمات الإرهابية التي كان يساندها وينقلها إلى سورية بهدف زعزعة استقرار سورية و«إسقاط» الدولة السورية بعد أن انتصر عليها الجيش العربي السوري وحلفاؤه على الأرض.
وفي الساحة الإقليمية نفسها شكّل النزاع السعودي -القطري ومضاعفاته المستمرة خسارة له بعد انحيازه لقطر واستياء السعودية منه وتراجع علاقاته معها، وفي النهاية وجد نفسه مجبراً أيضاً على الخضوع لسياسة «احتواء» فرضتها عليه روسيا وإيران وهو يعرف أنهما حليفان ميدانيان لسورية في حربها ضد كل أشكال الإرهاب والتدخل التي تبناها ضد سورية خلال السنوات السبع الماضية مثلما يعرف أن هذا التحالف السوري – الإيراني -الروسي – سينزع الوجود العسكري التركي عن الأراضي السورية مهما كان الثمن.
وعلى المستوى الأوروبي والدولي تدهورت الثقة الأوروبية بقدرة أردوغان على خدمة المصالح الغربية في الشرق الأوسط بعد أزماته مع ألمانيا مثلما تدهورت ثقة حلف الأطلسي بدوره في الحلف، بعد موافقته على عقد صفقة سلاح روسي للدفاع الجوي لا تستخدمه أي دولة في الحلف، وفي أعقاب اضطراره لتبادل زيارات رئيسي أركان الجيشين الإيراني والتركي بين أنقرة وطهران.
وتناقضت مصالحه مع المصالح الأمريكية ظاهرياً حين تبين له علناً أن واشنطن حليفه التاريخي تدرب وتسلح مجموعات من الأكراد في مناطق قريبة من الحدود التركية وتقدم لها الحماية بحجة الحرب على «داعش»، لكنه رغم ذلك وظّف ما جرى للزعم عن أنه لن يسمح بتقسيم سورية وهو الذي كان يدعم برزاني لتقسيم العراق وكأنه يظن أنه سينجح في خداع سورية وحلفائها والمنطقة كلها.
والسؤال الذي تطرحه هذه المقدمات : هل هناك سياسة ثابتة لأردوغان وما هي؟
يبدو أن الثابت في سياسة أردوغان هو أولوية تحقيق مصلحته في البقاء لاعباً في ساحة تركيا من دون منافسين، وقد نجح في ذلك بعد زج عشرات الآلاف من النخب والمسؤولين والقضاة والمفكرين في السجون ويحاول البقاء لاعباً في ساحة الجوار التركي بانتظار أي فرصة يرى فيها مكسباً تكتيكياً هنا أوهناك وهذا ما لن ينجح في تحقيقه سواء على الساحة السورية أو على الساحة العراقية مادامت حلقة التحالف السوري- الإيراني- العراقي تتعزز قدراتها الإقليمية وتحقق إنجازاتها بالقوة على غرار ما جرى في كركوك وإسقاط برزاني الذي راهن أردوغان على التحالف معه منذ سنوات كثيرة لزعزعة استقرار العراق.
وعلى المستوى الدولي يشاهد أردوغان بعينيه أن التحالف الروسي – الصيني وتحالف دول البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون الاقتصادي بدأت تشكل منظومة دولية كبرى لا تستطيع واشنطن وأوروبا تجاهل دورها ودعمها لدول وأطراف محور المقاومة والسياج الدفاعي السياسي الدولي الذي تحيط به هذا المحور الذي أصبح من الثوابت الإقليمية أمام عزلة أردوغان بين حلفائه وتزايد أزمة الثقة بين أطراف هذا التحالف وأردوغان.
ولذلك ستبقى سياسة أردوغان أسيرة دوامة هذه العزلة وسوف تبقى قدرته على التحركات المعادية تتآكل شهراً تلو آخر أمام تطور قدرات محور المقاومة واتساع رقعة تحالفاته في الجوار الإقليمي.

print