إنّ الأساسي في التحليل السياسي ليس هو النبوءة بل هو فهم الآني أولاً وربطه بترددات الماضي..المؤامرات وراءنا والفضيحة أمامنا..المستقبل حينئذ هو تحصيل حاصل، لذا لا مجال لكي نبدي دهشتنا إزاء ما يقع اليوم في المنطقة، لأنّنا أمام تحدّي دفع فواتير الحماقة..لم يكن الأمر له علاقة بنجاح المشروع الإمبريالي والرجعي في مساحة ما من الربوع العربية، بل للأمر علاقة بصمود غير متوقع لسورية كان لا بدّ من أن تكون لها آثار دراماتيكية، ستخرج سورية من من الأزمة وقد حققت قفزة نوعية نحو المستقبل، لكن محاربيها لن يكون لهم وضع طبيعي في المستقبل..اليوم لا يحسن خصوم سورية إلاّ أن يظهروا في حالة ارتباك وبلاهة والتباس، وأمهرهم في الوقاحة من يسقط القناع عن وجهه..
في خرجة الحريري التي جاءت في سياق التشكيك الذي أحاط باستقالته الملتبسة، بدا رئيس الحكومة «المستقيل» في حالة من الارتباك والتكرار لعبارات تبدو كما لو أنها أمليت عليه، حيث كانت هناك «ثيمات» رئيسة يعود إليها الحريري بين الثانية والأخرى حتى أنّه كرر مرّات عديدة عبارة: «نحن بلد صغير، وعلينا التزام الحياد والنأي بالنفس»..في الفراغات التي تتخلل هذا التكرار تكثر تناقضات الحريري الذي يعاتب حزب الله على أنّه «يأخذ لبنان ناحية إيران» بينما كان الحريري «يحاكم» الفرقاء اللبنانيين من داخل الرياض: مفارقة!!وبينما كان يطالب حزب الله «بعدم التدخل في شؤون الرياض» عدّ تدخّله هو في سورية «مفخرة» له: مفارقة أخرى!! كان الخطاب تكراراً مملاً يحرص فيه صاحبه على تكرار ما بدا رسائل كان لا بد أن يذكرها ليوهم الرأي العام الدولي تحديداً بأن الأمر لا يتعلّق إلاّ «بمصادفة»، وبأنه «اتخذ قراراً خاصاً» مكرراً أنها «محاولة لإحداث صدمة إيجابية»..لكن إذا كان الأمر يتعلق «بصدمة إيجابية» فلماذا الحديث عن الرجوع إلى بيروت؟ ولماذا يتم تبرير الاستقالة «بالوضع الأمني الخاص»؟ ومرة أخرى «بترتيب الأوضاع المالية لأعماله»؟ اضطراب، تكرار، تناقضات تخللتها رسائل من 4 أو 5 جمل كان أحرى أن يصدرها في أقل من ثانية بدل استغباء الرأي العام..حاول الحريري أن يظهر بمظهر «الوطني الأول» من بين كل الفرقاء اللبنانيين، لكنه كان الأسوأ في تاريخ لبنان حين قدم استقالته بعيداً عن البروتوكول والمسار الذي يجب أن تتبعه مسطرة الاستقالة في بلد يتمتع بكامل سيادته.. انتاب نظرة الحريري لموقع لبنان في معادلة الصراع في الشرق الأوسط الكثير من التبسيط، فهو يعتقد أنّ الفرقاء اللبنانيين هم من يتدخل في الدول وليست الدول هي من تجعل من الساحة اللبنانية مسرحاً لصراع النفوذ..ينسى أنّ لبنان، ولأنه صغير كما يقول، كان مجالاً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية..فمن يستمع له يظنّ أن لبنان ليس محتلاّ، وأنّ لبنان كان في إمكانه أن يحرر شطراً من جنوبه وفق السياسة التي يراها الحريري «المنقذ» للبنان اليوم..كما يرى أن ما يحدث في المنطقة لا يفرض تبعاته على لبنان..حاول الحريري ألا يظهر بمظهر المحتجز فوقع في نوع من التكلّف يستطيع أي خبير في تحليل «بروفايل» المخاطب ومضمون الخطاب أن يكتشف أنّ الأمر يتعلق بمسرحية سيّئة الإخراج..يرى الحريري أنه ليس للرياض أي تدخّل في لبنان، والأغرب أنه يتحدّث بوثوقية كبيرة..ماذا يفعل الحريري في الرياض؟ ولماذا يستقيل من داخلها؟ هذا هو السؤال الحقيقي..
يبدو أن الكذب في سياق مفضوح يعكس غباء السياسات العربية، في مجال ملتهب لم يعد يتحمّل الكذب..اليوم بات من الصعب أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي بعد أن أصبح بين الأجنحة المتصارعة دم وثأر وحساب.. وفي اعتقادي فإنّ قضية الحريري تتعلّق بالدرجة الأولى بالمشكلات الداخلية في الرياض..الحريري صديق لقسم من الأمراء الذين هم اليوم قيد الاعتقال، وهو شريك في الصفقات المالية..الرياض اليوم في حالة استئصال كل الحرس القديم..الماكارثية لا تترك للخصم متنفّساً، خطورة الوضع الداخلي تنعكس بشكل ملتبس على القرارات الإقليمية والدولية..آثار الحرس القديم توجد في الامتدادت المالية والعشائرية والعسكرية والأمنية..إلقاء القبض على الأمير بندر يعني أن كل الحسابات واردة..هذا هو الصندوق الأسود لكل سياسات المملكة في الداخل والخارج، لكن لبندر امتدادات دولية، بريطانية وأمريكية، الأزمة تتفاقم..والمعادلة تتعقّد..والحريري في هذه العاصفة تفصيل صغير، لن تعبأ الرياض بأي ردود فعل ما دامت هي اليوم مشغولة بمن يستتب له الأمر..سعد الحريري بات عبئاً على الرياض..الارتباك هو سيد الموقف في كل المواقف والقرارات..لا شيء يؤكّد أنّ هناك شيئاً مدروساً بعناية ومنطق الدولة..السيادة اللبنانية لا قيمة لها في ميزان الرياض التي بلغ احتقارها لحلفائها أنفسهم في لبنان حينما تمّ إطلاق رزم الإصلاحات، ولاسيما ما يتعلق برفع المنع عن قيادة المرأة للسيارة، قلت: إنّ الأمر مؤشّر على حدوث زلزال سياسي كبير، وهذا بالفعل ما حدث..

كاتب مغربي

print