على وقع انتصارات الجيش العربي السوري وخاصة بعد تحرير حلب سابقاً ودير الزور والبوكمال مؤخراً وغيرها، وعلى وقع الميدان والتحولات السياسية، بدأت تتساقط أهداف ومخططات القوى الغربية والرجعية العربية، فهي على مدى السنوات الثلاث من المواجهة في حرب شارك فيها أكثر دول العالم وتمّ خلالها تسخير كل الإمكانات الهائلة من المال والسلاح بهدف «تدمير» سورية و«تفتيتها وتقسيمها» غير أنها باءت بالفشل الذريع وذلك بفضل صمود جيشها وقيادتها وشعبها، وبدأت رايات النصر واضحة للصديق والعدو خصوصاً مع بدء مرحلة ما بعد «داعش» ومن خلال هذا المنظور بدأت تظهر على الساحة الإقليمية والدولية بعض التحولات والتدخلات وفتح جبهات مواجهة جديدة ترافق ذلك مع ما قيل عن توقيع ممثلي كل من واشنطن وروسيا وعمان على مذكرة مبادئ تأسيس «منطقة تخفيض تصعيد جنوب غرب سورية» حيث تشكل خطوة مهمة ضمن الجهود لوقف التصعيد وإيجاد الظروف الملائمة لحل سياسي مستدام للأزمة في سورية، ولم يكن قدر التفاؤل الذي تمخض عن توقيع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب على بيان مشترك بشأن سورية على هامش قمة «آبك» أقل أهمية حيث شكل هذا دفعاً جديداً للمسار السياسي مع التأكيد على الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية وتسوية الأزمة فيها في إطار الحل السياسي مع التشديد على استمرار محاربة الإرهاب، وهذا ما يسهل التحرك الروسي في التحضير لآلية عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي رغم كل التسريبات عن تعطيل تركي للجهود الروسية، لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن البيان الصادر عن( قمة آبك) لا يعني أن ننسى أن واشنطن تخرق السيادة السورية من خلال وجود قوات لها على الأراضي السورية وتقديم الدعم لما يسمى قوات سورية الديمقراطية (قسد).. لقد بدأت تتساقط المراهنات وتفشل العراقيل أمام جهود التسوية، ولم تجد نفعاً تحركات ما يسمى منصات «المعارضة» وجماعة الرياض في ظل انشغال النظام السعودي في مجموعة أزمات خانقة داخلية وخارجية، فعلى الصعيد الداخلي تشهد السعودية حملة قمع واعتقالات غير مسبوقة داخل عائلة آل سعود المستبدة الفاسدة والتي طالت حملتها رئيس الحكومة اللبنانية واختطافه، وعلى الصعيد الخارجي تنخرط المملكة في حروب «بلطجة» إقليمية واستفزازات وتصرفات مزعزعة لاستقرار دول المنطقة، إضافة إلى مواقفها المعادية لإيران والتحريض عليها مع استمرار دعم التنظيمات الإرهابية التكفيرية الوهابية في سورية بالمال والسلاح، والحرب العدوانية الجائرة على اليمن وسط استمرار النزاعات والخلافات ما بين دول الخليج وكشف المستور عن التورط في دعم الإرهاب ومحاولات السعودية إشعال الساحة اللبنانية بما يخدم محاولات أمريكية -إسرائيلية لخلق جبهة مواجهة جديدة تفضي إلى ضرب الوفاق الوطني، وشنّ عدوان إسرائيلي جديد على لبنان في محاولة «زعزعة» محور المقاومة مع التمادي السعودي الفاضح في الولاء لـ «إسرائيل».
وفي المقلب الآخر من خلال المتابعة يبدو أن الدول الأوروبية قد استفاقت من غفلتها وبدأت تدرك الخطر والتهديد الذي تشكله التنظيمات الإرهابية ودعاة التطرف في بلدانها، وخطر عودة الإرهابيين الذين سمحت لهم بالذهاب إلى سورية والعراق أملاً في الخلاص منهم، وليكونو وقوداً في النزاعات الدائرة من جهة واستخدامهم أداة لتخريب الدول والمجتمعات التي لا تتمشى مع مصالحها من جهة أخرى. حيث بدأت المجموعات «الداعشية» بالتسلل إلى الداخل الأوروبي والقيام بعمليات إرهابية في العديد من المناطق والمدن الأوروبية في سياق ارتداد الإرهاب على داعميه ما أدى إلى تغيير في نظرة الرأي العام الأوروبي تجاه الحرب الإرهابية التي تشنّ على سورية والضغط على الحكومات التي تحكم الغرب وتستخدم الوسائل الإعلامية لترويج الأكاذيب ووجهات نظر الإرهابيين.
إن اللافت للنظر من خلال هذه القراءة الموجزة كشف المحاولات الأمريكية -الإسرائيلية -السعودية المشتركة لفتح جبهات جديدة وخلق مناخات تصعيدية تتيح لهم اللعب على حبال عدة خصوصاً بعدما بدأت هذه الأطراف تشعر بانحسار دور القوى والمنظمات الإرهابية التي صنعتها ووفرت لها كل مقومات الوجود في المنطقة من أجل تحقيق الأهداف والمشاريع والمخططات القذرة، وما لا شك فيه أن السياسات والاستراتيجيات العبثية والمدمرة لدول المنطقة وشن الحروب قائمة تحت تسميات ومصطلحات كـ (الربيع العربي والفوضى الخلاقة) قابلة للسقوط في ساحات الميدان.

print