ثمة حشد من المعارف التاريخية التي طرحها عصرنا بصيغ ملتبسة، يستدعي استجلاؤها تضافرَ جهود جبارة، لا يستطيعها غير الهيئات، وفرق العمل الضخمة التي لا بدّ لها من التحلّي بالنزاهة العلمية، والإمكانات التي توازي إمكانات الدول. ولأن هذين الأمرين قائمان إلى الآن في مرمى الطموح، والحلم المتنائي عن إمكانية التحقّق لا يجد الباحث سوى التخويض في هذا المتوفّر الضخم من هذه المعارف الرابضة كالجبال من ناحية الضخامة وطرح التحديات المعرفية، لكنها مبتلاة بقوام يشبه قوام الوحل.
من ذلك على سبيل المثال ما فرضه الباحثون البريطانيون واليهود بخصوص تقسيم شعوب منطقتنا المشرقية، وبقية العالم إلى ساميين، وآريين، وحاميين، انطلاقاً فقط من الزعم التوراتي القائل بهذا الشأن، رغم اعترافهم بأن التوراة كتاب غير تاريخي، يندرج معظم نصوصه في إطار الميثيولوجيات القديمة، مع الانتباه إلى أنّ التفريق المعتمد بين ما يزعمون أنه ساميّ وما هو آري، قائم أساساً على نظام اللغة التي احتكر الأوروبيون عموماً مجمل الخبرات الخاصة والمعارف المتعلقة بلغاتنا المشرقية القديمة، فجعلوا السومريين، والميتانيين، والحثيين، والفرس والآخيين، شعوباً آرية، وجعلوا الباقين ساميين، كالبابليين، والآشوريين، والأكاديين، والعرب والفينيقيين، ولا مشكلة من الناحية الظاهرية في هذا التقسيم لو لم يكن منحدراً انحداراً مباشراً من موقف عنصري لئيم، يعكس حرص الأوروبيين على اغتصاب التاريخ، وسرقته، والاستيلاء عليه، بالتوازي مع اغتصاب الجغرافيا واستلابها في عصر الاستعمار الغاشم البغيض.
يعدّ اختراع الكتابة مفصلاً حاسماً معتمداً للتفريق بين عصور ما قبل التاريخ، والعصور التاريخية التي بدأت مع اختراع الكتابة، ولأن الكتابة منجز سومري غير مسبوق في أي بقعة جغرافية أخرى، حسب المكتشف إلى الآن، جزم البريطانيون بأن السومريين شعب آري جاء إلى الفرات الأدنى من البحر، وبعض المؤسف الفادح في هذا السياق أننا نفتقر افتقاراً شبه مطلق إلى وجود من يتقن قراءة النصوص القديمة على اختلاف لغاتها ولهجاتها. ولذلك ما زلنا نتّكئ على المنجز الأوروبي في معرفة تاريخنا القديم، فما يقوله الأوروبيون عن السومريين، وعن سواهم من الأقوام المجاورة في الزمان والمكان نأخذه على عواهنه، أو من غير تلك العواهن، لأننا لا نملك من وسائل الاختبار الحاسم لما يزعمه الأوروبيون سوى الوسائل والمنجزات الأوربية ذاتها.
بعض ما هو متاح في استعراف تلك الآلاف من السنوات المدحورة إلى ما قبل الميلاد مازال متاحاً عبر امتلاك الخبرة المناسبة لقراءة نصوصها الوفيرة. والأوروبيون يرون أن الخبرة الخاصة بقراءة اللغات القديمة خبرة مندرجة ضمن (الأسرار العلمية) التي يجب احتكارها وإبقاؤها في حيّز السرية والتعتيم، غير أنها أسرار يمكن النفاذ إليها عن طريق الأوروبيين أنفسهم، أو عبر اعتماد الطرق التي اعتمدها الأوروبيون للنفاذ إلى غياهب تلك اللغات، وبعض المتاح أيضاً قائم في إخضاع الترجمات الأوروبية للغاتنا القديمة إلى سلطان العقل النقدي، والتأمل العميق، واختبار الترجمات على محك الإيقاع المنتظم، أو شبه المنتظم لحركة التاريخ ضمن الجغرافيا المترامية في مجمل المنطقة التي تؤطر المتوسط، ففي الترجمة الأوروبية لقسم من النصوص السومرية أن الربة إينانا صعدت مبحرة من أوروك في أدنى الفرات باتجاه الشمال الغربي قاصدة مدينة إريدو مقر الإله إنكي لتسرق منه نواميس الحضارة التي كان العبيديون قد أنجزوها ودوّنوها على ألواحهم، والحضارة العبيدية (نسبة إلى تل العبيد, قريباً من الفرات الأوسط) كانت راسخة في المنطقة قبل وجود الدولة السومرية. وإذا صحّ ما أثبتته الترجمة البريطانية في ترجمة رحلة إينانا إلى مركز العبيديين، فالمؤكد أن السبق السومري بوصفه سبقاً آرياً إلى اختراع الكتابة يفقد صفته الريادية ويندرج في سياق الاستيلاء على منجزات الآخرين بشتى الوسائل حتى لو كانت وسائل مخادعة ودنيئة كالإغواء الأنثوي والإسكار بقصد السرقة, وهي التي استعملتها الربة السومرية في الاستيلاء على نواميس الحضارة التي كانت قد استقرت لدى شعوب المنطقة منذ أمد بعيد.

print