يبدأ الدكتور أحمد ويس بحثه الذي يندرج تحت عنوان «ثنائية الشعر والنثر في الفكر النقدي» (الهيئة العامة السورية للكتاب)، من العصر اليوناني، فـ «جورجياس» الذي وجد أن الوزن والموسيقا هما ميزة الشعر ومنهما يكون تأثيره، راح يبحث عن سبيل للنثر كي يكون له تأثير أيضاً. وكان أن وجد ذلك في السجع وتناظر الجمل وتقوية الطاقات والاستعارات، وبذلك صار ممكناً الحديث عن جنسين للأدب هما: الشعر والنثر، بيد أنّ الغلبة بقيت للشعر، وظل النثر في معظم تواريخه عالة على الشعر إلى أن يصل إلى الناقدة الإنكليزية «مارجري بولتون» التي تقول: «يتسم الشعر باعتماده التصوير والمجاز أكثر ممّا يصنعه النثر». ويمثل «جان كوهن» للأسلوب بخط مستقيم له طرفان وقطبان، قطب نثري خال من الانزياح وآخر شعري يصل فيه الانزياح إلى أقصى حدّ. فالشعر هو الرمز والمطلق والمدلول الباهر، في حين أن النثر مرتبط بوجود النقيض وينفي ذاته، والشعر يمتاز بالشمولية في مقابل ما يمتاز به النثر من الجزئية، ولعل الأمر فيما ذهبت إليه «اليزابيت درو» من أن «الشعر ينبع من جبرية غامضة تكمن في اللاوعي، يؤكد الإبداع الشعري.
وتنطوي مادّة الشعر عند العرب على منظوم القول لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كلّ علم شعر، والنثر هو ما عبّر عنه «ابن وهب» بقوله: «الشعر محصور بالوزن، محصور بالقافية، فالكلام يضيق على صاحبه، والنثر غير محصور فهو يتسع لقائله».
وزمن اختراع الشعر، كما يرى «الجاحظ» هو «حديث الميلاد، صغير السن، أوّل من نهج سبيله، وسهّل الطريق إليه امرؤ القيس ومهلهل بن ربيعة… فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له خمسين ومئة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام». مع ذلك، فالكاتب يؤكد أنّ النثر الأدبي عند العرب فن متأخر عن فن الشعر، لأن النثر يحتاج إلى نضج فكري وشيوع تقاليد كتابية كيما يظهر، في حين أنّ الشعر هو ألصق بالعاطفة والخيال، وهما أمران امتزجا بالإنسان منذ وجد الإنسان.
أدرك العرب أن الشعر حين يصدر من نفس قائله، لا يصدر كما هو شأن غيره من الكلام، وأنّ وراءه قوى خفية ليست ذات طبيعة بشرية. وادعى كثير من الشعراء أنّ له تابعاً من الجن أو الشياطين، راحوا ينسبون الشعر إليها. فالأعشى يتباهى بخليله «مسحل» فيقول:
وما كنت ذا قول ولكن حسبتُني
إذا مسحلٌ يبري لي القول أنطق
خليلان في ما بيننا من مــــودة
شريكان جنِّي وإنس موفّـــــــــق
وإذا التفتنا إلى ما أنتجه فكر العرب النقدي قديماً في هذا الشأن ألفيناه يعنى عناية فائقة بما ينطوي عليه الكلام الأدبي شعراً كان أم نثراً من خصائص موسيقية تسهم أيما إسهام في توليد جمالياته وتشكيل هويته. وهناك نصًّ للخليل بن أحمد، فيه يقول: «الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاؤوا، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده… ومدّ المقصور وقصر المحدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته… فيقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم، وأيّا ما يكن الأمر فإنّ كثيراً من جمال الشعر خاصة والكلام الأدبي عامّة يرتد إلى ما في تركيبه وترتيبه من تميّز وطرافة حيث يصحّ أن يقال: إنّ النظم في الشعر – قياساً إلى النثر – أقوى وأكثر إيضاحاً.
لكن المستشرق الألماني «شيبتالر» دعا إلى ضرورة «فصل الشعر عن النثر، عند التحدث عن بناء الجملة، ووضع قواعد لنظامها، لأنّه ما دامت أي ظاهرة نحوية معينة لا تعرف إلا في الشعر فإنها لا تصلح ظاهرة عامّة، تنطبق على النثر كذلك».
الشعر فنّ له أسرار لا يستطيع كل شاعر إتقانها، وحين يحظى شاعر ببعض تلك الأسرار، فإنه لا يظفر إلا بفئة من الناس قليلة تحسّ بها وتقدرها حق قدرها، أمّا السواد الأعظم من الناس فليس لديهم من الثقافة والعلم ما يجعلهم يميزون الغث من السمين والساقط من العالي، فهم كثيراً ما يطربون حيث لا مسوغ لطرب، ومنذ قديم الزمان تنبه «أحمد السرخسي» إلى «أنّ أقل الناس علماً بالغناء أسرعهم طرباً على كلّ مسموع، وأكثر الناس علماً به وأشدهم تقدماً في معرفته أبعدهم طرباً عليه وأقلهم رضا بما يسمع منه. لا مراء في أنّ ما أوجده القرآن الكريم من تغيير في حياة الناس وأفكارهم كان أمراً يجل عن التحديد والوصف، وقد ذكر «بلاشير» مدى ما للقرآن من قدرة على إحداث «انفعال جمالي يؤثر حتى في الأعداء أنفسهم… ( بل ) إنّ له تأثيراً حتى على السامع الذي لا ينطق بالضاد». وهذا يقرّر بداهة أنّ القرآن ظاهرة فريدة، فإذا أضيفت لهذه الظاهرة الفريدة ميزة أخرى، وهي أن أدبيتها وتأثيرها لا يبوخان مع كثرة التردد – كما هو شأن غيرها من الظواهر اللغوية – أدركنا حينئذ بعض ما لهذه الظاهرة من فرادة وامتياز.

print