من يتابع الأخبار الصادرة عن مملكة بني سعود يدهش لشدة التركيز على الموضوع الإيراني والزج به في كل ما يتعلق بالمنطقة فلا تكاد تخلو نشرة أخبار أو تصريح أو مناسبة إلا ويتم الزج بإيران فيها..
الصواريخ اليمنية التي طالت مواقع سعودية اتهمت إيران بها وكذلك التفجير الذي استهدف أنبوب نقل النفط بالقرب من العاصمة البحرينية المنامة، وغيرها من الأمثلة التي هي في الحقيقة نتيجة للعدوان السعودي على اليمن وشعبه وحصاره وتجويعه، هذا هو السبب ولو توقف العدوان لتوصل اليمنيون فيما بينهم إلى حل سياسي للأزمة في بلادهم، لكن مشيخات الخليج لا تريد لهذا البلد أن يستعيد عافيته ويمارس دوره العربي ولم يعد سراً الحديث عن أطماع ابن سلمان وابن زايد في اليمن..
وبالعودة إلى التصعيد السعودي ضد طهران فهذا الأمر ليس جديداً، فخلال سنوات منصرمة شهدت العلاقات الإيرانية- السعودية أشكالاً من الأزمات والتصعيد بين حين وآخر، بالتالي التصعيد بحد ذاته هو السائد، أما ما يجعله هذه المرة، أكثر خطورة هو الظروف المحيطة به إقليمياً ودولياً.
بمعنى آخر إن ما يجري اليوم يتعدى كونه امتداداً لمسار تراكمي مأزوم فالتصعيد السعودي الراهن هو تدشين أمريكي لمرحلة ما بعد «داعش» في المنطقة، عنوانها «إيران أولاً»، وكل ما يجري في ميادين السياسة ويؤكد على ذلك من زيارة ترامب إلى السعودية والموقف الأمريكي المستجد من الاتفاق النووي إلى استقالة الحريري القسرية وحصار اليمن والمواقف السعودية الهستيرية من الصاروخ اليمني، كل ذلك يؤشر إلى أن الرياض قد أخذت كلمة السر الأمريكية- الإسرائيلية للمضي بالتصعيد الخطر ضد طهران، ولا بأس- من منظور المتآمرين- من توظيف نتائج المراحل السابقة في المنطقة منذ 2011، من صراع طائفي واستبدال «إسرائيل» كعدو بإيران كوقود للمرحلة الجديدة.
علامات كبيرة تدفع للقول إنه لم يعد هناك ما يشغل بال الإدارة الأمريكية وحلفائها السعوديين والإسرائيليين أكثر مما يزعم بـ«خطر إيران» وحلفائها، ما يدفع باتجاه التصعيد عليها بعد فشل كل المخططات الأمريكية– السعودية في الميدانين السوري والعراقي بفضل دعم الحلفاء وفي مقدمتهم إيران، لذلك فالدور عليها الآن- حسب المخططات- وقد حان الوقت لكي تدخل الحرب المدفوعة أمريكياً بين إيران والسعودية، مرحلة جديدة وفصول أكثر سخونة من ذي قبل، لا يمكن التكهن بمآلاتها، وثمة مؤشرات تعزز القناعة بأن شيئاً ما يتم التحضير له والمنطقة على أعتاب الولوج في مرحلة خطرة جداً في ظل عزوف داعمي الإرهاب عن النزول من أعلى الشجرة.
طهران المعروفة بنفَسها الطويل والمتأني تدرك جيداً أبعاد هذا التصعيد وتعمل لهضم الموقف واحتوائه وكل المواقف الصادرة عنها تذهب في هذا الاتجاه مع حذر مشروع وفائض مراقبة وتحسب من تصرفات هوجاء تقحم المنطقة في أزمات جديدة أكثر خطورة من الموجودة حالياً.

print